قراءة نفسية في نتائج الثانوية العامة

بقلم: الدكتوره ريم محمود الرواشده

القارئ لنتائج الثانوية العامة لهذا العام لا يحتاج لوقفة مطولة أمام خفاياها، فهي مضاءة المعالم، وأشير هنا إلى النتائج والمعدلات ذات الأرقام الفلكية التي وضعتنا أمام جملة من المشاكل متعددة الجوانب، ولكن الخطر الأكبر الذي نلمحه بين ثناياها تلك الآثار النفسية التي ستتضح معالمها في قادم الأيام.

وقبل الانطلاق في القراءة النفسية لهذه النتائج أضع حجر الأساس لقراءتي فالنتائج رغم أقوال القائلين هي نتائج حقيقية، ولا أظن أن وزارة التربية والتعليم قد تلاعبت بها كما يشير البعض منا، لكن المعطيات تفضي إلى هذه النتائج، فأسباب المئوية وما تلاها من أرقام انتخابية عربية اعتدناها(99.9) لا يقلل من قدرات الطلبة أو ينفي حصولهم عليها، فالأسئلة المباشرة والتي تتقاطع مع أمثلة الكتاب وأسئلته، ثم مضاعفة الدراسة لدى بعض الطلبة خوفا من نظام الفصل الواحد، وشيء من التساهل في التصحيح، هذه العوامل قطعا ستؤدي إلى ارتفاع فلكي في النتائج، ولن أنسى هنا امتلاك بعض الطلبة لقدرات فائقة.

ويتمحور حديثي هنا حول قضية شائكة قد تاهت عن ذهن الكثيرين، ولعلها الأخطر نتيجة لهذه المعدلات التسعينية التي فاقت (12000) طالب وطالبة، المشكلة هي نفسية بامتياز، ولعل في هذا المقال دعوة للأهل وأصحاب القرار للالتفات إليها لخطورتها على الصحة النفسية لأبنائنا الطلبة من هذه الفئة، فارتفاع المعدلات عند البعض رفع سقف التوقعات والآمال في قبولهم في تخصصات كانت على أرض الواقع بعيدة المنال عنهم، مثل تخصص الطب أو الهندسة.

المشكلة ستظهر قريبا يوم إعلان القبولات، فكل من حصل على (90%) فما فوق سيكون سقف توقعه تلك التخصصات، ونظرا لارتفاع أعداد الطلبة من هذه الفئة فإن الصدمة ستكون أن بعض المعدلات لن تقبل لا في الطب ولا في الهندسة إذا كان معدل الطب كما يقولون هو (98.6)، ومع الاحترام والتقدير لكل التخصصات، فهل يرضى طالب التسعين أن يدرس رياضيات أو عربي أو انجليزي أو غيرها من التخصصات، بالطبع الأمر سيكون صعباً وسيعاني الطلبة ما يعانون من الصدمة النفسية الناتجة عن تلك التوقعات.

وسيكون الطلبة وأولياء أمورهم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يضطر أولياء الأمور لتدريس أبنائهم في الخارج حتى ولو على حساب لقمة عيشهم، مما يشكل حملا على الأسرة التي ستدخل في صراعات مع الحياة، وإما أن يفرض على الطالب تخصصا يراه هو لا يتناسب مع معدله التسعيني، وهنا مشكلة أكبر، لأن نجاح الطالب عادة يتواكب مع رغبته في التخصص الذي يدرسه ورضاه عنه، فسيفقد الإبداع والتفوق، وهنا نكون قد خسرنا جيلاً ممن رفعوا سقف توقعاتهم فكانت واقعا غير ما يتمنون.

هنا أهيب بأولياء الأمور أن يحاولوا من الآن وضع أبنائهم أمام هذه المشكلة التي ستحدث قريبا جدا، وأن يحاولوا الموازنة بين الواقع والتوقعات، وعلى الطلبة أن يكونوا على قدر المسؤولية والمعرفة في التعامل مع القادم وأن تكون توقعاتهم ملامسة للحد الأدنى المقبول، وعلى الدولة أن تكون على شفافية واضحة مع أبنائنا الطلبة من الآن من خلال وسائل الإعلام، والندوات والمؤتمرات كي تضع الطلبة على طريق الحقيقة.

القضية ليست ساعة غضب أو انفعال آني وانتهى، القضية أعمق من ذلك بكثير، فالاضطرابات النفسية تصبح على عتبات أبواب الحياة لهؤلاء الطلبة، فالإحباط والاكتئاب، والقلق، كلها تصبح مهدِّداً نفسياً لهذا الجيل، غير تلك التي يعيشها المواطن من احباطات على مستوى الوطن، قد وصلت في بعضها إلى الانتحار أو الهجرة، أو الانطواء على النفس، أظن أننا لسنا بحاجة لمزيد من المحبطات، دعونا نكون مع الجيل القادم لا عليه.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية