محاضرة في الجمعية الفلسفية حول القلق الوجودي عند سارتر


مدار الساعة – د. آمال الجبور - تقول استاذة قسم الفلسفة في الجامعة الاردنية الدكتورة دعاء سعيفان، ان القلق يلازم الإنسان، طوال حياته، فهو ليس شعوراً مؤقتاً، إنه شعور نفسي وانفعال عاطفي يلازم الإنسان طوال حياته.
وتضيف في محاضرة لها في الجمعية الفلسفية الاردنية، ضمن ملتقى الثلاثاء الاسبوعي، إن الاختيار يضع الإنسان أمام الكثير من الاحتمالات العملية اللانهائية، لأنه يختار أحدها، ويبعد باقي الاحتمالات الكثيرة.
وترى سعيفان إن مصدر القلق هو أن الإنسان مسؤول عن تقرير مصيره، وأنه حين يختار لنفسه، ويحدد مصيره، يجد نفسه أنه يختار لجميع الناس، ويحدد المصير الإنساني.
وتعرض ان القلق عند الفلاسفة الوجوديين، بانهم وجدوا أنفسهم أمام حتمية الاختيار، من دون الاعتماد على مبدأ عام للاختيار، ومن دون أن يكون لديهم معايير عامة يحتكمون إليها، ليعرفوا أنفسهم إذا كانوا قد أساءوا أو أحسنوا الاختيار.
وتضيف ، يقول كيركجارد، بهذا الشأن، إنني "إذ أخاطر بالاختيار إنما أخاطر مخاطرة كبرى، لأنني إذ أختار أعدم كل الممكنات إلا ما أختار، وإعدامي لها فيه إحساس لي بالخطيئة، فيه إحساس بالفناء وبالتناهي وبالضياع في العالم."
اما برديايف، فيقول عن نفسه إن القلق "لم يفارقني طوال حياتي، على الرغم من أن شعوري له كان متفاوتاً فيشتد أو يضعف في مراحل مختلفة من تطوري الداخلي"
من جهة اخرى فان كامو يرى"إن مجرد القلق موجود في قلب كل شيء..
ويذهب هايدجر إلى أن القلق ناشئ من الآنية، ومنبثق من مستقبل التصميم ،بينما ينشأ الخوف من موجودات العالم المحيط، وينبثق من الحاضر الضائع. فالقلق يسير بنا إلى الأمام، بينما الخوف يعيدنا إلى الوراء. و يوافقه سارتر حين يرى أن القلق يكون على الذات، بينما يكون الخوف من الخارج، "إن القلق يتميز عن الخوف من حيث أن الخوف خوف من الكائنات في العالم بينما القلق، قلق على الذات(الأنا)"
ومما هو جدير بالذكر أن الفلاسفة الوجوديين ميزوا بين القلق والخوف، فكيركجارد رأى أن الخوف ظاهرة أكثر حدة، وطغيانا، من القلق. فالقلق، عنده، ظاهرة أولية أهدأ وأقل جزعاً، وأن من الأهون على الإنسان أن يتحمل القلق من أن يتحمل الأسى والخوف. وشاطره برديايف الرأي قائلاً: "أيسر على الإنسان أن يتحمل القلق والجزع من أن يتحمل الأسى."
ويرى سارتر أن الخوف والقلق يستبعد أحدهما الآخر، حيث ينشأ أحدهما من تحطم الآخر، خصوصاً أن الخوف فزع غير واعٍ من موجودات العالم، بينما القلق هو قلق على الأنا، وفزع واع من الذات. أما السقوط، عنده، فهو محاولة الهروب من القلق، ومحاولة التصرف وكأن بمقدور الإنسان أن يمتلك قوة لإعدام القلق، وهذا ما يسميه سارتر بسوء النية. وسوء النية عنده هو كذب على النفس، فالكاذب هو من يعرف حقيقة الموضوع الذي يكذب فيه، لأن الإنسان لا يكذب فيما يجهله. فالكذاب "يؤكد في ذاته الحقيقة وينكرها في أقواله، وينكر لنفسه هذا الإنكار"، فعنده نية الخداع، ولا يحاول ستر هذه النية، إنه سيء النية، ويمارس سوء النية. إنه يحجب "حقيقة غير مرضية أو تقديم خطأ مرضي على أنه حقيقة فسوء النية له في الظاهر بنية الكذب."
إن القلق، كما يقول سارتر، "شيء إنساني يمليه على الإنسان وجوده لذات تعي مصيرها في الحياة وتتحمل مسؤولية هذا المصير" وهذه الذات حرة، وتتجلى هذه الحرية في نفسها، لأن المستقبل الذي هو الذات الإنسانية يظل خارج متناولها ،فهي ترقب نفسها في المستقبل ،ولكنها تخاف أن لا تكون موجودة، وهذا أيضاً هو القلق، الذي يصاحب الإنسان عند اختياره لجميع مواقفه، وفي كل لحظة من لحظات حياته. وأخيراً، فإن الإنسان يعيش حالة من القلق الدائم ،إلى أن يضع الموت حداً لوجوده ويحرره.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة


جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية