للفُضُول ضحايا

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

يقول الشاعر الفيلسوف عمر الخيام (ت: 517هـ): «وأسعد الخلق قليل الفضول»، فإنّ الإنسان إذا ترك فضول الكلام، قلت سيئاته وأخطاؤه، فالكلام المهم عادة مختصر مفيد، أما فضول الكلام، فلا حصر له. وكذلك من ترك فضول الطعام ربح صحته وقوته، فابتعاد الإنسان عن الفضول والزيادة واكتفائه بقدر حاجته فقط يجعله يعيش في سعادة، بعيدا عن المشاكل والأمراض.
اتصل أحدهم بسيدة عن طريق الخطأ، فطلب منها أن يرتبطا بصداقة بريئة، ثار الفضول في نفس السيدة المتزوجة ذات الأولاد، وأرادت أن تعرف إلى أين سيصل هذا الرجل معها من باب الفضول فقط، وكما قالت الكاتبة والروائية أحلام مستغانمي: « ففي كل امرأة تنام قطة يقتلها الفضول»، ودخلت هذه السيدة مع هذا الرجل بكلمات ورسائل تجاوزت المألوف والمعروف والمقبول، وهي لا تحمل في قلبها إلا الفضول الذي يصبّرها لترى المكان الذي ستقف عنده العلاقة بينهما. وفي يوم لن تنساه هذه الزوجة، اطلع زوجها على كتاباتها مع الرجل الغريب، ولا حظ الاتصالات الكثيرة والطويلة، وعندما فاتح زوجته بالموضوع، أقسمت أغلظ الأيمان أنها لا تحمل في خزائن صدرها شيئا تجاه هذا الغريب سوى الفضول، لم يقتنع الزوج بالجواب، فطلقها، وانتهت حياةٌ عمرها خمسة عشر عاما بسبب الفضول.
وكم قتل الفضول من بشر؟ هذا الذي يُعرضُ عليه أن يجرب المخدرات أو الحشيش من باب الفضول والاستكشاف، فإذا به يتحوّل من مستكشف إلى مدمن بائس، لا حول له ولا قوة، خسر نفسه وماله وأهله، وأخيرا خسر روحه وحياته، وكل ذلك بسبب ذلك الفضول الذي دعاه ليجرب، فكانت التجربة المريرة التي تقود إلى الهلاك والضياع.
وكذلك الذي يدعوه فضوله للذهاب إلى مناطق الحرب والنزاع والديار غير الآمنة، أو يدعوه للسعي وراء العصابات والمافيات، يقوده فضوله إلى الموت في ظروف غامضة، أو الانتحار، أو القتل في وسط داره.
لا أرى في الفضول خيرا إلا في العلم والبحث العلمي، حيث يقود الفضول صاحبه لمزيد من القراءة والبحث لينتهي بالمعرفة والاكتشاف والاختراع، وهذا ما أشار إليه عالم الفيزياء الكبير (ألبرت أينشتاين) عندما قال: « أنا لست موهوبا، أنا فضولي».

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية