مؤتمر المنامة، ماذا لو شارك الفلسطينيون؟

الكاتب : فارس الحباشنة

ورشة ومؤتمر المنامة، ومؤتمر تمويل صفقة القرن، على اختلاف المسمى تقدم في سياق مبادرة كبرى للسلام في الشرق الاوسط تقودها الولايات المتحدة الامريكية، وذلك لانتاج تسوية عاجلة للصراع الفلسطيني -الاسرائيلي. الافكار الامريكية حول السلام لا تقوم على معالجة أصل الصراع مع إسرائيل، بل إنهاء الصراع وتصفيته بصفقة مالية «رشوة « في الملف الفلسطيني، إعلان عن استثمارات وتعويضات للدول المتضررة من الصراع، ومشاريع كبرى في غزة والضفة الغربية، ودول راعية للمبادرة الامريكية تفتح خزائن أموالها.
المقاطعة، والغياب الفلسطيني عن المؤتمر لربما هو العنوان الابرز والأهم. فلربما أن في تاريخ صراعات العالم، لا يمكن أن تقود الى تسوية مهما كانت التنازلات دونما أن يكون الاطراف الشرعيون مشاركين في المؤتمر. فكيف يمكن أن يقام حفل الزفاف دون أن حضور العريس، والفلسطينيون هم العريس الغائب.
ومهما كان حجم التصفية والتسوية فلا بد من اعتبار الطرف الاخر، وحتى صك الاستسلام والخنوع بلا ان يكون هناك موقعون على أوراقه، ومهما يكن فأي صفقة في العالم تحتاج الى ديكورات وتصاميم شكلانية بابعاد كثيرة : رعاة وابطال وحاضنون، ومصفقون، ومراقبون، ومندوبون وغيرهم.
الغياب الفلسطيني عن مؤتمر المنامة يعني أنه فاشل حكما. وأن خطة السلام الامريكية وما تسمى بصفقة القرن محفوفة بمخاطر الفشل وقضم شرعيتها السياسية إذا ما الفلسطينيون جلسوا إلى الطاولة. امريكا واسرائيل تعرفان حقيقة أن السلام وحل الصراع لا ينجز دون الفلسطينيين، ولكن إسرائيل تكسب جولات مجانية في تطبيع اقتصادي وسياسي عربي دون صفر تنازلات.
مؤتمر المنامة، يقوم على أفكار جوهرها فصل الاقتصادي عن السياسي، وقتل النازع التحرري الوطني الفلسطيني، وتحويل القضية بتاريخها النضالي الى مجرد افكار ومبادرات اقتصادية، وتنموية لتحسين معيشة الفلسطينيين تحت الاحتلال، ودون إعادة تعريف للحق الوطني والنضال والشرعية، والاحتلال والمقاومة.
فأوسلو قبل عقدين كانت تأسيسا مبكرا لمؤتمر المنامة. فاتفاقية السلام الفلسطينية الاسرائيلية لم تتعامل مع حل الصراع بسلام سياسي له علاقة بالتاريخ ومخالفته، وبما يحقق رفعها عن الارض، وهذا يحتاج الى وقت كاف، ولارادة ورغبة اسرائيلية، فكل ما جرى على الارض كان معاكسا من استيطان واحتلال وجدران عزل، وتهجير وتهويد للقدس.
مشروع السلام على الطريقة الاسرائيلية -الامريكية، وما يسمى السلام الاقتصادي. ولربما كانت مقدمات شمعون بيرس في كتابه الشرق الاوسط الجديد واضحة عن السلام في المنظور الاسرائيلي، وكيف تفكر اسرائيل في الصراع مع العرب ؟ وحتى السلام الاقتصادي فعلاقته مع الصراع مرتبطة بتوفير الحماية لمصالح ونفوذ اسرائيل الكبرى، وتقديم جوائز ومنح بالحبة للاعبين مع الامريكان والاسرائيليين من حلفاء واصدقاء واعوان.
بيريس مهندس السلام الاقتصادي، وقد قال إن اختصاصي هو التطبيع الاقتصادي، وهو أمل المستقبل. وفيما أشار في كتابه الى أن رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق أنه يشتغل على السلام السياسي، وما يتعلق في عوالق التاريخ. وهذا الفصل بين الاقتصادي والسياسي قد جر العرب الى سلام وتطبيع مع اسرائيل دون أي ثمن ومقابل سياسي.
و بالمعنى التاريخي للصراع فانه انتحار. فكل العناوين التي ارتبطت بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي قد وجدت الفاظها عارية، من السلام العادل والشامل والشرعية الدولية والتسوية السلمية، وغيرها. فلا تجد على الواقع الا ما هو متناقض مع كل المعاني، فلا سلام ولا شامل ولا عادل، ولا شرعية ولا تسوية، فاسرائيل تفرض ما تريد بالقوة والسلاح.
ما جرى بعد اوسلو، وعمليات دمج اسرائيل اقتصاديا واستراتيجيا في الاقليم، والانفتاح العربي نحو تل أبيب. لربما كانت هي العناوين الفاضحة لنهاية اوسلو قبل ولادتها. والمتابع للاتفاقية فان خيوط السلام تلاشت ما بين استسلام وسلام افتراضي مسكون في عقول بعض الساسة الفلسطينيين والعرب.
و لا أكثر من تبعات واضحة للاستسلام بعد اوسلو فلا يخطر على البال والخاطر عقد مؤتمر عن القصية الفلسطينية دون مشاركة اصحاب القضية.
اوهام السلام، لربما استشعرها الفلسطينيون والعرب لاحقا. الخيارات المطروحة أمام الفلسطينيين أولا وهم الطرف المركزي في القضية، ومنها يتعرضون الى ضغوطات شديدة لكي تقدم مزيدا من التنازلات، فالمشاركة في مؤتمر المنامة، والبقاء على اندفاع نحو أوهام السلام المنخور فان ثمنها سيكون أكبر وكلفته تاريخيا وسياسيا باهظة وعالية الكلفة.
المصارحة الامريكية والاسرائيلية حول افكار السلام، وما يعلنه ترامب بالتوالي من اعلان القدس عاصمة لاسرائيل، ونقل السفارة، والغاء الاونروا وحق العودة، وضم الجولان لاسرائيل، واعلان ضم المستوطنات في الضفة الغربية الى اسرائيل، وسياسات تبقى هي العناوين العريضة التي تنكل بالحق الفلسطيني وتمحوه عن الوجود.
وصول الفلسطينيين الى المنامة ومشاركتهم، تعني أيضا أن اعلان وفاة أوسلو، ودحر ما قد حصل عليه الفلسطينيون من اعترافات بحقوق وطنية وتاريخية، ولو كانت بسيطة وهشة وغير مضمونة، الا أن المؤتمر يعني بالمصارحة الامريكية تقويض كل الحقوق الفلسطينية، وقتل القضية.
الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية