الرواشدة يكتب: هذه «العفاريت» التي تطاردنا..!

الكاتب : حسين الرواشدة

ما الذي دفع اغلبية المجتمع الى اعلان غضبهم على مسلسل "جن"، هل تفاجأنا فعلا بان مؤسساتنا المسؤولة عن الرقابة لم تقرأ المحتوى ولم تتابع التصوير، هل صدمتنا الحالة التي وصل اليها بعض شبابنا الصغار الذين تجرأوا على كسر "التابوهات" وتجاوزوا قيمنا وتقاليدنا واسأوا اليها ،هل افزعتنا صورتنا الاخرى القابعة في بعض مناطقنا وفئاتنا الاجتماعية التي كنا نحرص على اخفائها بعد ان ظهرت في مرآة الدراما مكشوفة تماما؟

لا اريد ان اكرر ما قلته في هذه الزاوية اكثر من مرة عن "حالة مجتمعنا " الصعبة وكيف يفكر الناس في بلادنا، ولا عن التحولات الاجتماعية المفزعة التي اصابت منظومة القيم والاخلاق لدينا. يكفي هنا ان اقدم محاولة لفهم ما حدث من ردود افعال حول هذا العمل الفني الذي اثار غضب اغلبية المجتمع وفتح عيوننا من جديد، ليس على ازمة الدراما فقط وانما على ازمات التعليم والمدارس والسياحة وفاعلية المؤسسات المعنية وادائها وقبل ذلك "ازمة" احترام النظام العام في الدولة والمجتمع معا.

لدي هنا ثلاثة اسباب يمكن ادراجها في سياق فهم هذه الردود الغاضبة: الاول ان الحقل الاجتماعي الذي يعتبره اغلبية الناس آخر الحصون للدفاع عن وجودهم تعرض على مدى السنوات الماضية لمحاولات عديدة من العبث، وخاصة فيما يتعلق بالشباب، فقد شهدنا نماذج عديدة منها "قلق" ومنها "عبدة " الشياطين ومنها مسلسلات درامية خدشت الحياء العام، ثم جاءت هذه الواقعة في هذا السياق الملغوم، وبالتالي كانت ردود الناس عليها على هذا الشكل لانها فهمت كجزء من اختراقات مقصودة وليست مجرد اخطاء عابرة.

اما السبب الثاني فهو ان هذا العمل الدرامي حظي بدعم كبير من مؤسسات الدولة، وكان هدفة ابراز المجتمع الاردني والترويج لما لدينا من اماكن سياحية، وبالتالي كان يفترض ان نقدم افضل مما لدينا، وان تتحمل المؤسسات المعنية مسؤولياتها في المراقبة والمتابعة لضمان انتاج عمل فني لائق، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، فالمسلسل "متواضع" فنيا ومشوب بمضامين تتناقض مع قيمنا وتقاليدنا، والمؤسسات تنصلت من مسؤولياتها الامر الذي اثار غضب الناس واستنكارهم .

اما السبب الثالث فيتعلق بما تراكم في ذاكرة مجتمعنا، والمجتمعات الاخرى ايضا، من تجارب عكست محاولات بعض الجهات الخارجية والداخلية لتدمير منظومة القيم والاخلاق فيها، يكفي ان اشير هنا الى ان استدعاء منظمات المجتمع المدني الممولة من الخارج في النقاش حول المسلسل الخير جاء في سياق "التشكيك" والادانة، نظرا لدورها في الدفاع عن مثل هذه الممارسات باعتبارها استحقاقات دولية لحقوق الانسان، حتى لو انها لم تنسجم مع خصوصيات مجتمعنا وقيمنا المعروفة.

ملاحظة اخيرة وهي ان "حجة" البعض بان هذه الممارسات التي تضمنها المسلسل تعكس "الواقع" الذي نحاول ان نخفيه، لا تبدو وجيهة تماما، صحيح ان لدينا اخطاء وتراجعات في القيم وخاصة لدى الشباب، لكنها ما تزال في اطارها المحدود، وفي السر ايضا، ويجب ان نتحرك لمواجهتها، اما ان نعممها على المجتمع من خلال الدراما او الاعلام باعتبارها حالة عامة، ثم ان نسوقها باعتبارها جزءا من النهضة والتقدم (!)، فهذه "سقطة" كبيرة لا تستحق الرد.

وصحيح لدينا انواع عديدة من"العفاريت"التي تطاردنا، ويفترض ان نواجهها بالغضب، وان نتحرك لوقف "وساوسها" القاتلة (ليس بالبخور طبعا)، لكن هذا "الجن" الذي يستهدف قيمنا واخلاقنا، سواء اكان على شكل مسلسل او مبادرة او تشريع .. الخ لا يقل خطرا عن غيره من العفاريت، مما يستدعي ان نطرده من بلادنا ايضا.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية