فردية الخَلْق والعودة إلى الله والحساب

الكاتب : أ.د. بلال ابوالهدى خماش

أخاطب في هذه المقالة أصحاب الديانات المُنْزَلةِ من السماء على أنبياء الله موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام مرتبين وفق الوقت الزمني وأتباعهم إلى يوم الدين.

وأستشهد بآيات من القرآن الكريم لأنه آخر كتاب سماوي نزل من السماء. ليس هناك شك بأن الله خالق كل شيء في هذا الكون (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (الزمر: 62))، واحد أحد صمد وليس هناك غيره. وكما أننا نعلم جيداً أن الله خلق جميع الأمم الموجوده في هذا العالم من نفس واحده وهي نفس آدم علي السلام وذلك لأنه خلق زوجه من نفسه وبعد ذلك تم الزواج بينهما وكذلك بين الذكور والإناث من ذريتهما بأمر الله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (النساء: 1)). ونعلم جيداً أن الله (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (الحديد: 3))، وهو معنا أينما كنا ويعلم سرنا وعلننا وما نخفي في صدورنا (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (الحديد: 4)).

وبما أن الله سبحانه وتعالى الوحيد الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (غافر: 19)) فنحن كبشر نحكم على من يتعامل معنا من بني آدم على ما نسمع منهم من أقوال وما يظهرون لنا من تصرفات وأفعال، أي نحكم على الظاهر وليس على الباطن. ولكن نحمد الله على أن اللع يعامل البشر أجمعين على ما في نفوسهم وليس على ما يظهرون لأنه بذلك ينصف كل من يُخْدَعُ ويُضَلَلُ من قبل بعض الناس وعن أُمِّ سَلَمةَ رضي اللَّه عنها: أَنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّمَا أَنَا بشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فأَقْضِي لَهُ بِنحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بحَقِّ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ. فكم ربنا رحمن رحيم في عباده وكم الله صبَّار على ما في نفوس السيئين من عباده ويُعْطِي الفرص الكثيرة جداً لهم للعودة عن طرق الضلال وعن المكر السيء وعن الحقد ... إلخ ولكن في نفس الوقت يقول في كتابه العزيز (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (النحل: 61)). أي بعد ما تم إعطاء الفرص كلها لأولئك العباد ولم يرتدعوا عن أفعالهم ... فإذا جاء أجلهم سوف لا يُرْحَمُون ولا يؤخر عنهم العقاب ساعة واحده، فقد فات الأوان.

وآخر آيه نزلت في كتاب الله عزَّ وجل هي ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (البقرة: 281)). وكما أتينا لهذه الدنيا فراداً سنعود لله فراداً وسوف لا تحاسب عنا عشائرنا أو قبائلنا أو عائلاتنا ولكن سيحاسب كل واحد منَّا على نفسه ولا يعلم بأسرار وأفعال وأعمال وهواجس كل فرد إلا الله وسوف لا يكون هناك محامون أو فزعات أو شللية أو محسوبيات ... إلخ. وسوف لا تُظْلَمُ أي نفس عند الله لأن الله هو الحَكَمُ العَدْلُ وكل إنسان له كتاب مَسَجَلٌ فيه جميع أعماله (أي قاعدتي بيانات أحدهما الحسنات والأخرى السيئات) وهناك ميزان حساس ودقيق جداً للغاية، حتى لا يظلم أي عبد مقدار ذرة من خردل (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة: 6-8)). لا أحد سيخلد في هذه الدنيا فعلينا أن نتقي يوماً نعود فيه إلى الله ولا يكون أحداً معنا إلا أعمالنا إذا رحمنا الله بها. ولماذا لا نستعد لهذا اليوم؟! فالمفلح والفائز من أعد للقاء ربه.ِ


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية