يحرق حريشكو

الكاتب : ابراهيم عبدالمجيد القيسي

أكثر من الف حادثة حريق تعامل معها الدفاع المدني في اربد وحدها منذ الشهر الماضي أيار، هذا ما صرح به الناطق الاعلامي لوسائل الاعلام أمس، وهو ما حذرنا منه شخصيا منذ بواكير ربيع العام الحالي، وقبل يباس الأعشاب والمحاصيل الحقلية، ولم نحذر منه لأننا ندرك حجم الجهل واللامبالاة وقصر النظر الذي يتمتع به كثيرون، بل لأننا أيضا نعلم تمام العلم بأن ثمة شرا مقيما في النفوس، يستيقظ كما تتفتح قابليات البشر الأخرى تجاه الخير والعطاء والبناء، فالشر ملازم للخير منذ بدء الخليقة، وسرعان ما يتآلف ويتحالف ويدمر الخير ..
كتبنا سابقا عن الحرائق التي تنطلق بلا عدد، وذكرنا قبل العيد بأنها لن تتوقف، ويجب اطلاق حملة وطنية للحد من فرص حدوثها، وما زلنا نطالب بتغليظ العقوبات على مفتعليها، واعتبار مثل هذه الجرائم واقعة على أمن الدولة، فهي تمتاز بأثر تدميري كالعمل الارهابي الذي يروع الناس، ويعتدي على أرواحهم وأموالهم دون مبرر ولا ذنب اقترفوه بحق المجرم..
ضريبة الخضرة والربيع الجميل هي اليباس والحر والغبار، وحين تتمتع النفوس الجميلة بنعمة الخضرة والأجواء الجميلة فتنطلق كما الفراش في الربيع، فإن النفوس القذرة تستيقظ في اليباس والجفاف والغبار، وتمارس اجرامها بلا مقدمات ولا عوائد ذات فائدة للمجرم، فقط استعراض الشر وإشعال الحرائق وتعريض الممتلكات والأرواح والبيئة والأرض الزراعية للخطر، علاوة على قتل الطبيعة بأبشع سلاح..
نجحت وزارة الزراعة في تحييد خطر الحرائق كل عام عبر الحدود مع فلسطين المحتلة، حيث كنا على موعد موسمي معها في الصيف، لكن وزير الزراعة المهندس ابراهيم الشحاحدة أخبرني بأننا كنا نضع في الحسبان مثل هذا الاحتمال، وقد تعاملنا معه، وقمنا فعلا بالسيطرة على تلك الحرائق قبل أن تتوغل وتخلف خسائر كما يحدث في كل عام، علاوة على الاجراءات السنوية المعروفة في الوزارة، والمتعلقة بحماية الغابات من احتمالات نشوب الحرائق في الغابات والأحراش، وقد تعرضت بعض المواقع لمثل هذه الحرائق، لكنها حرائق وقعت في ملكيات خاصة مجاورة للمناطق الحرجية التابعة لوزارة الزراعة، ولامست أطرافها وقد تعرضت بعض المناطق الى خسائر مؤسفة..لكن قياسا على حجم الحوادث التي تحدث على مدار الساعة، فقد نجحت الوزارة فعلا في تحييد الغابات والأحراش من الحرائق، ولا يعني هذا بأن احتمال وقوعها أصبح صفرا، فثمة «مخربون»، يقومون بالجريمة كلما أتيحت لهم فرصة للتخريب والإضرار بالحرث والنسل..قاتلهم الله فهم الشيطان بعينه، وهي صورة من صور الفساد، على حد وصف القرآن الكريم لهم (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) ..سورة البقرة 205 .
الاعتداء على الغابات بالسرقة والحرق خطر معروف، تتعامل معه وزارة الزراعة والجهات الأخرى منذ نشوء الدولة، ورغم كل الإجراءات فلا بد سيجد المجرمون نافذة يتسللون منها، فهذا ديدن الشر والجريمة، فهي أيضا تتطور وتحاول التفلت من الرقابات والقوانين، لذلك قامت الوزارة بتطوير أدواتها في مراقبة وحماية هذه الغابات، وفي هذا العام على وجه التحديد، تبذل الوزارة قصارى جهدها لتلافي الخسائر، بل وتحاشي احتمالات الاعتداءات، حيث هناك طائرات دون طيار لمراقبة الغابات، وموظفون «طوافون» يعملون بدوريات مستمرة، وأبراج لكاميرات ثابتة في المناطق الاستراتيجية التي تتيح رقابة لأوسع مساحات ممكنة.. لكن ثمة من يسرق الجنين «من بطن أمه».
أحد النواب في دولة شقيقة مجاورة، حيث تناقلت بعض وسائل الاعلام أمس تصريحات منسوبة إليه، يتهم فيها الأردن بالوقوف وراء احتراق بعض المحاصيل الزراعية في البلد الشقيق، ولا يشاهد أو يتابع عدد وحجم الحرائق الشبيهة التي تحدث على مدار الساعة في الأردن..»ولك يحرق حريشك.. ويخرب سنوجك»، ولا أجد ما أقوله عن مثل هذا الادعاء، لكنني أسأل الله تعالى أن يحفظ ويحمي الحرث والنسل في كل الدنيا، لا سيما في بلدنا الذي يعاني ما يعانيه من قلة ماء ومن جحود، حتى من بعض أبنائه.
شيلوا العشب الناشف من كل مكان فهو بمثابة حريق لا تعلم متى سيشتعل وإلى أين سيمتد، علما أن الله خير حافظ.
الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية