السیستم معطل!

الكاتب : د. صبري ربيحات

في دولة القانون والمؤسسات لا أحد ینزعج من تنفیذ القانون بل إن الكل یتمنى ویؤید أن یكون النظام عادلا وحازما وواضحا. لكن الذي یزعج أن یشعر الأفراد أو الفئات أن القانون أداة في ید البعض یستخدمونه لفرض إرادتهم على الغیر وإخضاعهم إذا ما خالفوا توجهاتهم أو اعترضوا على بعض القرارات والسیاسات التي یقومون على تنفیذها أو لأن سلوكهم وأفكارهم لا تعجب من هم على الطرف الآخر للقانون. في مثل هذه الحالة لا یمكن ان یكون هناك مواطنة حقیقیة ولا انتماء صادق وكل من یتحدثون عن ذلك لا یعدون إلا فئة من المنتفعین والانتهازیین الذین یتظاهرون بالحب والطاعة والتسلیم للأشخاص في مواقع السلطة وفي كل الاوقات في حین انهم الأكثر استعدادا للانقلاب على القانون وعلى من ینفذونه إذا ما تأثرت مصالحهم أو تقلصت امتیازاتهم.

في مطلع شهر الصیام كان البعض یتساءل حول السیاسة في رمضان وفیما إذا سیؤثر الصوم والعبادة على مستویات الجدل والتحشید والاعتصامات السائدة قبل حلوله. فقد ظن البعض أن مزاج الناس سیتغیر وقد یبتعدون قلیلا عن السیاسة والحدیث فیها كون الشهر مرتبطا بالعبادة والزهد والاعداد للآخرة فهل حدث ذلك فعلا!

الأیام الأولى من رمضان كانت أقل سخونة من سابقتها لكن دوام الحال من المحال حیث أسهمت جملة من الاحداث في شحن الشارع وتجدد الاهتمام وبصورة اكبر مما كانت علیه. من ناحیة أدى التعدیل الحكومي المفاجئ على الحكومة ودخول عدد من الوزراء إلى إثارة وإعادة طرح الاسئلة القدیمة الجدیدة حول إذا ما كان لدى الحكومة توجه معروف، وإذا ما اعدت برنامجا لتنفیذ هذا التوجه، وعلاقة الطاقم الجدید ببرنامج الحكومة المزعوم إن وجد.

التناقض بین أقوال واجراءات الحكومة اصبح نمطا واضحا یسهل اكتشافه في كل المواقف والمناسبات. فالشخصیة الدمثة المتعاطفة للرئیس لا تنعكس على القرارات التي تتخذها الحكومة في أي من المجالات التي تلامس حیاة الناس. الزیارات المیدانیة المبكرة للخط الصحراوي والتوقف عند ورشات التنفیذ لم تسرع كثیرا في انجاز المشروع ومشاركة اهالي ضحایا البحر المیت الأحزان لم تنعكس على قرار ترشیح الحكومة للوزیرة التي أقیلت لتكون سفیرة في إحدى اهم شركاء الأردن بالرغم من الاعتراض الشعبي على القرار. والتعیینات التي تمت في الوظائف العلیا لم تكن بعیدة عن الواسطة والمحسوبیة التي قال الرئیس إنه یواجهها.

الأیام القلیلة الماضیة أظهرت تناقضا هائلا بین الافعال والاقوال ففي الوقت الذي قامت الاجهزة بتوقیف إحدى الشخصیات الملاحقة من قبل أجهزة التنفیذ حال عجز الحكومة في استیفاء المبالغ المطلوبة من الشخصیة الموقفة دون الافراج عنها بحجة ان ”السیستم معطل“. في الشارع والصحافة وكل مكان یتندر الناس على حجة أن السیستم معطل في حكومة تدعي بأنها انتقلت بنا إلى عصر الریادة والمعلومات الرقمیة وأسست وزارة جدیدة لذلك.

سرعة ودقة الاجهزة في متابعة الشخصیة المطلوبة وإلقاء القبض علیها في زمن قیاسي وحرمانها من حقها في الحصول على حریتها بحجة تعطل النظام الذي یسمح للأشخاص بدفع ما علیهم من استحقاقات وإخلاء سبیلهم مثال صارخ في التناقض والتضارب الذي یضعف الثقة ولا یبعث على الاطمئنان.

في الخطبة التي ألقاها رئیس الوزراء امام مئات الصحفیین مساء الاثنین الماضي قال إنه والحكومة حریصون على حمایة الحریات العامة واحترام دور السلطة الرابعة. من المؤسف ان الكثیر من المتابعین لا یجدون سندا لما یقوله الرئیس هذه الایام.

على الجانب الاخر یبدو الرؤساء السابقون للحكومات ممن اختاروا الحدیث عن تجاربهم اكثر تعاطفا مع الشارع وتفهما لمطالبه وأوجاعه. الكثیر من التعاطف والتقدیر یحظى به الساسة المتقاعدون من ضیوف البرامج التلفزیونیة الحواریة التي تتناوب على تقدیم تفصیلات حیاتهم العملیة والشخصیة وتتیح لهم المساحات الواسعة لاستعراض انجازاتهم ورسمها بصورة وردیة جذابة.

بعض من ظهروا على المحطات عبروا عن رغباتهم التي لم تكتمل واحباطهم بأنهم لم یستكملوا مسیرتهم العملیة وصولا إلى موقع رئیس الوزراء. غالبیتهم بشرنا بأنهم یعكفون على كتابة مذكراتهم أو مجموعة كتب لیقولوا اشیاء لم تسعفهم المنابر المختلفة بقولها.

الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية