لا تحزني يا روان، فالعار عليهم !

كتبت ا.د أمل نصير

قرأت بقلب ينزف دمعا قصة الطبيبة المُعتدى عليها في مستشفى حمزة نهاية الأسبوع الفائت كما روتها هي ذاتها... درست روان الطب على نفقة أهلها سافرت كثيرا على الطريق الصحراوي (سيء السمعة لكثرة حوادثه) لتصل جامعتها، سهرت طويلا، وتعبت كثيرا، وتعبت معها أسرتها؛ لتوفير تكاليف دراستها الباهظة...قضت حياتها بين الكتب مثل كثيرين من طلبة الطب متنازلة عن كثير من أسباب الرفاهية.

عملت بوزارة الصحة دون راتب! تقول روان : "دخلت تخصص جراحة عامة مع ندرة الطبيبات في هذا التخصص حتى أخدم بنات بلدي بالتحديد اللواتي يعانين من مشاكل جراحية محرجة متل مشاكل الثدي أو الشرج حتى ما تضطر الحضور وهي بمراحل متأخرة خجلا من الكشف أمام طبيب ذكر."

تسألكم روان : " تعرفون ماذا يعني أن أدرس طب ٧ سنين، وأتخصص ٥ سنين بدون راتب ... وبدون تأمين حتى في المستشفى الذي أعمل فيه ولا حتى بغيره؟؟!!

دوامي كل يوم من الساعة من 8-4، وكل٣ أيام أناوب لمدة ٣٢ ساعة بدون راتب..."فلماذا بعد هذا كله أرى دموع أبي وأمي وندمهم لأني درست الطب، وهم يرون وجهي المتورم من الكدمة، وفي أنفي سدادة تكبح نزيف دمي ؟
أنا تم الاعتداء علي في نهار رمضاني، وأنا على رأس عملي من قبل مرافقي مريض لعدم توفر سرير عناية مركزه وهو شيء خارج عن إرادتي...أنا لم أعتد على أحد، أنا تمت إهانتي بطريقه سيئة!!!"

وأقول لروان لا تحزني يا ابنتي، فالعار على من أعادك أنت وغيرك من شباب الوطن إلى أزمان العبودية أو السخرة، ولكن حتى هؤلاء كانوا يعملون مقابل قوت يومهم، وضرورات حياتهم المادية، ولكنك أنت تعملين بدون ذلك كله، ولا حتى حماية!!!

الرق لا يختلف كثيرا عن نظام السخرة ... وكلاهما ضد حق الإنسان في العيش الكريم، فالعمل يجب أن يقابله راتب مكافئ للجهد المبذول، وعدد ساعات العمل محسوبا فيه الشهادة العلمية. وهذا حق كفله لروان الدستور! وإلا، فإنه رق بصورة جديدة .

لماذا روان تعمل مجانا لـ ٥ سنوات يا وزارة الصحة؟! ومن أوصلنا إلى هذه الحال؟!

وهل لو كانت روان ابنة لأحد الذين ابتلعوا أموال الأردنيين _ ستعمل مجانا؟!

يدرس أبناؤنا في الجامعات بأسعار عالية موازي وغير موازي نمتص دماءهم ودماء أسرهم؛ لنقول لهم بعد ذلك إما البطالة، وإما العمل بدون أجر! في أي عالم يحدث هذا وفي أي البلاد في القرن الواحد والعشرين؟ كل الحكومات المتعاقبة وجهابذتهم من المستشارين لم يستطيعوا حل مشكلة الشباب ولا الأمن ولا العمل ولا الاقتصاد...

وأما الاعتداء على الطبيب والمعلم ورجل الأمن.... فهي مشكلة باتت مؤرقة، ولا تنفع فيها التصريحات المتناقضة، ولا اجتماعات الفزعة، بل إلى قوانين صارمة.

أما روان، فهي لا تحتاج إلى أب جديد ولا إلى عواطفنا الزائفة، ولكنها تحتاج إلى عمل مدفوع يحفظ لها كرامتها، وبيئة عمل آمنة ليس غير.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية