المجتمع المدني: أين الخديعة والحقيقة؟

الكاتب : فارس الحباشنة

«المجتمع المدني» عبارة اقتحمت المجال العام الاردني في مطلع التسيعنات من القرن الماضي، وتحديدا بعد اتفاقية وادي عربة. ولعله من السؤال المشروع عن ماذا تعني عبارة مجتمع مدني ؟ وماذا يعني أن يكون جسما او هيكلا او كيانا اجتماعيا مدموغا بالمدني. وعلى اعتبار أن المجتمع المدني وصفة ولابيل وهوية وماركة مسجلة وعلامة تجارية، وتوصيف اجتماعي ما.
تكوّن المجتمع المدني، في خضم تحولات كونية، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، والمعكسر الاشتراكي، وتحولات جيواستراتجية وايدولوجية وسياسية. وانتشار لافكار نيو ليبرالي التي مهدت في ثمانينات القرن الماضي الى العولمة، وتحديدا في 79 بعدما تولت تاتشر رئاسة الحكومة البريطانية وشرعت رسميا في تطبيق برنامج النيو ليبرالي في بريطانيا، وبعد عام وصل ريغان الى الرئاسة الامريكية حاملا مشروعه النيوليبرالي أيضا.
النيوليبرالية تقوم على ثلاثة محاور متكاملة : اولها تحرير اسعار السلع والخدمات، وثانيها، خصخصة الاحتكارات الحكومية « القطاع العام «، واخرها اعادة النظر في دور الدولة الاجتماعي والاقتصادي من جهة، والغاء ضبط الاسواق والرقابة وتوسيع مجال التبادل التجاري والافراد والخدمات في الداخل والخارج.
و اعتدمت العولمة على قوى رئيسية : شركات متعددة الجنسيات وعابرة للقوميات، ومؤسسات اقتصادية عالمية من ابرزها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وحكومات الدول، ومؤسسات اجتماعية بانماط واشكال اجتماعية كثيرة.
في الاردن عبارة « المجتمع المدني « صعدت بعد بروز تيار النيوليبرالي، وتحكمه التدريجي في مفاصل السياسة والاقتصاد. واندفاع الدولة نحو سياسة الخصخصة وحرية الاسواق والقطاع الخاص. وزيادة الايمان بالمجتمع المدني والقطاع الخاص، ومن ضمن ميكانيزم واولويات عامة لادارة الدولة، ولسلطة موازية جديدة بدأت تحكم في سيطرتها وامتداد نفوذها.
من ثلاثة عقود، المجتمع المدني لم تستوطن افكاره وقيمه ومبادئه الا في مفاصل واجزاء وقضايا مقطوعة، فمثلا في قضايا الحرية بقي منحازا للحرية وفقا لقياسات ومعايير التقارير والروشتات الامريكية والغربية. وتعامل معها بمعزل عن المحتوى الوطني والاجتماعي والسياسي، فالحرية محصورة في عناوين مثبتة مسبقا بعضها خارج عن القاموس الوطني الاردني، فهل الاردنيون مشغولون في قضايا التحرش والمثلية الجنسية والالحاد والحقوق المنقوصة، تعدد الزوجات والورثة وتحديد النسل ؟
هذه القضايا التي لا تغفل أعين المجتمع المدني عن طرحها وتناولها والنضال من اجلها . فليست من واجبهم ومسؤوليتهم مثلا اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني، ولا ارتفاع الاسعار الجنوني لادوية والسلع والخدمات، والرعاية الاجتماعية وتوغل قوى البزنس والاحتكارات الكبرى وتحالفها مع السلطة، والمطالب الاجتماعية والانسانية لفئات اجتماعية مهمشة ومقصاة ومغيبة. وشرائح لكتل اجتماعية الجوع والفقر والتهميش يدك في احشائها. فالسؤال عن العدالة الاجتماعية ممنوع ومعطل ومحظور، وليس من واجباتها ولا مدرج على جدول الاعمال .
ومن العناوين والمفاهيم الرنانة التي يروج المجتمع المدني لاستهلاكها، وتخلف تاثيرا لدى الرأي العام. فترى جماعة المجتمع المدني يرشقون على مسامع العامة عبارات لمشاريع الحد من الفقر والشفافية والنزاهة واللامركزية والدمقرطة والحوكمة والمشاركة . وذلك للتغطية على ما تحمل مشاريع وبرامج رؤية النيوليبرالية من ريبة اجتماعية ووطنية، في ضوء تقليص دور الدولة وسياسات الحمائية والخصخصة وتحرير الاسواق.
وغالبا ما تختفي السياسات الكبرى للتنمية خلف شعارات وبرامج طنانة وبراقة ورنانة. ولا يتحقق شيء على أرض الواقع. والمجتمع المدني -وهذا ليس في الاردن فحسب إنما في بلدان في ارجاء المعمورة تبنت التحول الاقتصادي والانفتاح، واقتصاد السوق - يكون خادما لسياسة النيوليبرالية الطبقة السادئة التي تقود البلاد محليا وعالميا.
وفي النتيجة تخسر الدولة التنمية، وتكون في الحضيض بأدنى مستواها، وتنمو طبقة مرتزقة وطفيلية، بلا هوية وطنية تعتاش على تقارير المراكز والدراسات والبحوث الاجنية. ويبقى دور المجتمع المدني لملء الفراغ « الكبير والصغير « والذي يظهر من تقلص وهشاشة وضعف وقصور دور الدولة.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية