الاستفزاز والسلم.. وحوادث الاعتداء

الكاتب : د. صبري ربيحات

مساء الأربعاء أطلق الصحفي عمر كلاب وعبر وسائل التواصل الاجتماعي نداء استغاثة للأصدقاء والأجهزة الأمنیة عبر فیه عن إحساسه بالخطر نتیجة وقوع مشاجرة مع الجیران في أحد أحیاء مدینة عمان التي شهدت سلسلة من حوادث الاعتداءات والقتل خلال الأیام والأشهر الماضیة.

أیا كان الموقف من النداء الذي أطلقه الصدیق كلاب والردود التي توالت من مختلف الجهات والمشارب فإن لغة ومضمون النداء یؤشران إلى وجود خوف دفین وقلق وجودي لدى الناس في الأردن كما یعكس النداء والتعلیقات التي توالت علیه مستوى من التوتر لا یجري الحدیث عنه في المؤتمرات والتقاریر وجلسات بحث السیاسات والمستقبل.

في البقعة وعوجان والسلط والكرك ومادبا وسائر بلدات وأحیاء المملكة یمیل الناس إلى التعبیر العنیف عن غضبهم وإحباطهم وقهرهم. الكثیر من الأفراد لا یحملون اتجاهات إیجابیة نحو الغیر ممن یشاركهم الفضاء العام إلا إذا كان هناك صلات قرابة أو معرفة بینهم. العشرات من الأشخاص قضوا في مشاجرات استخدمت فیها الأسلحة الناریة. وعدد من البیوت والمحلات أضرمت بها النیران فأتت على كل ما فیها. الظاهرة لم تعد محصورة في قریة أو بلدة أو حي بعینه فهي منتشرة على امتداد الفضاء المكاني والدیمغرافي الأردني. في كل الحالات تشكل العشیرة الخط الأول في الدفاع عن السلم المجتمعي وغالبا ما تتحرك بأدواتها التقلیدیة لتطویق الحوادث ومنع تفاقمها.

المدن والأحیاء الأردنیة لا تشبه المدن ولا الأحیاء التي نراها في العالم فهي غریبة في تكوینها وبنیتها وصلات أهالیها. غالبیة الأحیاء تفتقر إلى البنى والمؤسسات والتنظیمات المدنیة الحقیقیة التي تنعكس انشطتها وبرامجها على نوعیة الحیاة وجودة المرافق والخدمات وروح المكان وعلاقات الساكنین. بعض سكان الأحیاء الجدیدة یتفاخرون أنهم أمضوا سنوات طویلة في الحي دون التعرف على من یجاورهم في العمارة أو البنایات الملاصقة. والكثیر منهم ینظرون لغیرهم على أنهم عبء إضافي على المكان فلا یكترثون لراحتهم أو حقوقهم ومتطلباتهم.

الاعتداء على الشوارع والساحات والفضاء یحدث بشكل مستمر من قبل البعض دون أدنى اهتمام إلى مشاعر ومواقف الآخرین. عند تسییر الجاهات وفي احتفالات الخطبة وانطلاق مواكب الخریجین و الزواج یغلق المحتفلون الشوارع ومداخل بیوت الجیران دون استئذان أو اعتراض ویتقبل الجیران مثل هذا الاعتداء بدافع المسایرة أو الخوف من التهدیدات وردود الأفعال وإمكانیة الانتقام المستقبلي إذا ما اشتكى الجار أو عبر عن عدم الرضا أو الاستیاء.
من الصعب أن تمر في بعض أحیاء العاصمة دون أن تجد خیمة عزاء أو اكثر نصبت في الشارع العام وأغلقته دون أدنى اعتبار لما قد ینجم عن ذلك من إعاقة وتعطیل لنشاطات الجیران ودونما تدخل من السلطات التي تدیر الفضاء العام بحجة التعاطف مع اسرة المتوفى.

بعض السواقین الذین یتعدون على حقوق غیرهم المروریة یرقبون ردود فعل ضحایا التعدیات ویحاصرونهم بنظرات للتأكد من اكتمال حالة الإذعان لتعدیاتهم في طقوس قلما تجد مثیلا لها في ثقافات أخرى.
بالرغم من كل ما یقال عن الامن والامان والحكمة التي یتحلى بها رجال الامن وخبراء فض النزاعات إلا أن هناك قدرا من التوتر والاستفزاز الذي یجتاح الاحیاء والبلدات الأردنیة. في كل یوم یقع المزید من الاحداث وما نزال نعاني من غیاب البرامج التربویة والتعلیمیة والاجتماعیة للتنشئة المدنیة.

ما لم یحدث تدخل على مستوى بناء وتنظیم المجتمع فان الاوضاع مرشحة لمزید من التدهور. المعالجات التي تقوم بها المؤسسات المعنیة بانفاذ القانون لا تساعد على تعزیز سیادته فهي تخضع للكثیر من المزاجیة والتسلیم لقوى العشائریة والمحسوبیة والاجتهادات التي یقوم بها بعض من یدیرون الشأن العام.

السلم المجتمعي والأمن والأمان مفاهیم وشعارات تحتاج إلى المزید من المراجعة الموضوعیة والقیاس في ضوء مؤشرات تتجاوز الخطابة والتبجح. فمن غیر الممكن ان یتوفر السلم المجتمعي لأفراد یعیشون في مجتمع غاضب مدجج أعضاؤه بالسلاح الاوتوماتیكي ویسمع كل یوم عن أحداث القتل والاعتداء والخروج على القانون.

الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية