تحريك سوق العقار في الأردن.. هل يكون ممكناً بالأسعار الحالية

بقلم: معن العزيزي

بدون مقدمات..

قد يكون ذلك الطموح المترف -في العنوان- ممكنا في ظل الطفرات الاقتصادية المتعددة الأسباب.. كالتي شهدتها الأردن على عدة فترات متباعدة خلال العقود الماضية..

كالهجرات من الدول المجاورة مثلا سواءا لأردنيين عادوا للوطن أو أشقاء عرب دعتهم ظروف سياسية معينة للتوطن في الأردن واتخاذها ملجئا آمنا أو موطن استثمار آمن أو معبرا مؤقتا ريثما تتاح لهم الامكانات للعودة لاوطانهم او استكمال رحلات هجراتهم.

ولا يخفى على الاردنيين كبارا وصغارا ما لهذا السبب من أهمية في تحريك السوق العقاري بل ويطلقون عليها ظاهرة الانتعاش بنكبات الآخرين، وفي الحقيقة هي ميزة ايجابية للاردن بفضل استقراره وأمنه أولا وبفضل ترحيبه على المستوى القيادي والشعبي بالأشقاء وغير الأشقاء وطابعه العام بتقبل الآخر.

ما يعنينا في ضوء العنوان أعلاه هو ..هل هذا فقط ما ننتظره لتحريك السوق..؟

هل أزمات وحروب الآخرين فقط هي الحل؟

وهل يعني ذلك أن عدم حدوث أزمة جديدة ان نستسلم لكساد السوق العقاري وجموده؟

ولكن دعونا لننظر الى الأزمات وأثرها العقاري من زاوية أخرى...

فهل انتعاش السوق العقاري كان لصالح المواطن الأردني؟

للتوضيح... هل ما صاحب انتعاش سوق العقار من ارتفاع اسعار الأراضي كان في مصلحة الاردنيين؟ وأعني الاردنيين بعامتهم باستثناء ملاك الأراضي.

هل كانت القفزات المتسارعة منذ عام 2005 الى 2015 في اسعار الاراضي وبالتالي الشقق السكنية والعقارات التجارية في صالح المستهلك الأردني؟

هل يعقل ان يشتري المواطن المستهلك الأردني شقة في اي من مناطق عمان بضعفي سعرها ما بين 2005 الى 2015؟ اي في غضون عشر سنوات فقط؟

اقول نعم يعقل في حال أن معدل دخل المواطن ومعدل القدرة الشرائية قد تضاعف ايضا .. وعلى افتراض انه لم يحدث أي تضخم في الأسعار او أي انخفاض في قدرة الدينار الشرائية وبالاسعار المحلية..

ولكن... للأسف اي من هذه او تلك لم تحدث.

لم يتضاعف الدخل لا للموظفين الحكوميين ولا موظفي القطاع الخاص ولا لأصحاب الاعمال الحرة ولا للشرائح الاكبر من الشعب الاردني من ذوي الدخول المتوسطة وما تحتها.

لا بل ازداد تضخم الاسعار وازدادت المصاريف المطلوبة للحياة اليومية لدرجة انها لم تعد تكفي لحياة بسيطة مع شيء من التعليم كالمدارس والجامعات وصيانة اسنان العائلة ...الخ

بل انها وضعت حدا لطموح معظم الاردنيين في تملك المنزل وهو طموح بسيط في معايير الحياة الكريمة وفي بعض انحاء العالم حق مكتسب يبدأ من دخول الشاب مرحلة العمل والانتاج.

وانا اتكلم هنا عن طموح رب الاسرة الخمسيني الذي أوصل ابناءه بعد عناء الى الجامعات مثلا لا عن ابنائه انفسهم الذين يفكرون في الزواج وبدأ تكوين أسر جديدة.. فهؤلاء الشباب اتأسف لهم جدا لأني لا أجد في الأفق القريب ولا حتى البعيد اي جواب لسؤالهم (متى امتلك بيتي؟).

بالنظر الى الطرف الاكثر اهتماما من الاردنيين بمسألة "تحريك سوق العقار" وتذمرهم من هذا الجمود واحب ان أوجه لهم ولكل الوطن (حكومة وشعبا) تساؤلات عديدة؛؛

ماذا استفدتم من تضاعف اسعار عقارات واراضي تملكونها منذ عشرات السنين الى اليوم؟

وما الفارق اذا كان لديكم مجموعة قواشين بقيمة نصف مليون او عشرة ملايين؟

أفهم بالطبع ان المال الحر حق لمالكه ولا يمنع عرف ولا دين من إكثاره .. ولكن بعد هذا الواقع المؤسف من جمود الاراضي وفراغ العمارات هل تم اكثار هذا المال؟

انا اجزم ان العديد من الملاك وصلت قيمة أمواله غير المنقولة او بمعنى آخر أملاكه (ورقيا) الى أضعاف ما كانت عليه في بداية هذا القرن من حيث العدد ومن حيث القيمة ولكن .... ورقيا .. اليس كذلك؟

الم يكن من الأجدى ان يتم تداول هذه الاموال بين الناس ما بين بيت ومزرعة منتجة واسرة شابة تؤسس وتبني مجتمعا كريما قادرا على الاستمرار والبقاء .. وان تكون شرائح هذا المجتمع الأكبر والأوسع قادرة على اشغال هذه الاملاك باطفالها ونتاجها للوطن؟ ؟

وأسالهم ايضا (اي الملاك) الم تخرجوا ببعض اموالكم الى بلدان أخرى واشتريتم بيوتا بأقل من نصف قيمتها في عمان او الزرقاء على شواطيء انطاليا او اطراف اسطنبول او حتى ضواحي باريس او وسط تبليسي؟ وهل لاحظتم ان رخص السعر كان من عوامل انهيار اقتصاد هذه الدول؟

طبعا لم تلاحظوا ذلك .. بل انكم شاهدتم باعينكم ان متوسط دخول مواطني هذه الدول اعلى بكثير من متوسط دخل اخوانكم الاردنيين وبالتالي فمواطنيها إمكانياتهم ودخولهم اقرب الى تملك بيوتهم بكثير من إمكانيات ودخول إخوانكم الأردنيين.

كتبت هذه السطور بينما اسمع قرارات الحكومة بتسهيل التملك للاشقاء الغزيين وخفض رسوم التخارج وغيرها في سعيها لتخفيف حدة التذمر من جمود العقار . والحقيقة اننا كمالكين أم خبراء أم تنفيذيين نحوم حول فقاعة سعر ما زال أعلى من المعقول وفوق الممكن للأراضي والعقارات السكنية والتجارية وكأن الحفاظ على سعرها جزؤ من الشرف او نوع من الشطارة التجارية وهي صامدة في موقعها وفي أدراج المكاتب بقواشينها الزهرية ... ولكنها لم تسمع بمن يسأل عنها "بكم " ولا "بقديش" .

وقد لا يفهم قولي إلا من ضرب شرف التمسك بسعر عقاره بسيف الديون التي لاحقته او بقرار التنفيذ القضائي الذي ألزمه بيته.. ولكم فيهم اسوة حسنة او إنذار أول.

ولنعد الى ما قبل 2005 وحولها.. ولنتذكر ... الم يكن وصول اسعار الاراضي الى الاضعاف مفاجئا للجميع حتى لمالكيها. الم تمر في الاردن وفي العالم المحيط به ظروف دعت الى هذه القفزات وادخلت فيها مليارات الى البلد من مواطنين وأشقاء عرب؟ ؟.

ولكن الم تتوقف هذه الظروف عن القفز بعد بضع سنوات الى حد عودة الطلب الى ما يوازي العرض او حتى اقل منه وتحديدا منذ بداية العقد الاخير.

واذا علمنا ان الاردن يعتبر من أسرع البلدان في المنطقة نموا في تعداد سكانه ومع ذلك فإن حجم الطلب الطبيعي على المنازل والشقق وصل الى حد يقارب التوقف برغم ان النمو السكاني ما زال مستمرا .. فما هو السبب في هذا الجمود؟ ولماذا تراجعت معظم البنوك عن تمويلات العقار وهو اهم مصدر لارباحها؟

السببب لا شك اصبح واضحا بأن الدخول لا تسمح بالشراء ولا حتى بتقسيطه وان الاسعار فوق الممكن ولن يحرك شراء العقار الا نشوء طلب جديد من مشتر خارجي قادم ننتظره من خلال ما نخشاه وهو الازمات السياسية والحروب.

ان من أولويات الحذاقة في التجارة هو القدرة على تدوير المال في اصعب الظروف وبأقل الارباح لا تجميده ، وهذه دعوة مباشرة للملاك بتخفيض اسعار عقاراتهم بنسب ملحوظة الى الدرجة التي تناسب الطلب والواقع وهي دعوة ايضا الى دأئرة الأراضي لتخفيض اسعار الأساس التي لا تفيد الا في ايهام المالكين بما يملكون في احلامهم . وفي تكريس اول عائق لحركة البيع والشراء ومن طرف الجهة المنظمة له.

وساختصر الحكمة المأمولة في هذا المقال بأن الوطن للجميع ومن حق الجميع تملك جزء من ترابه... وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ قال "من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العوافي منها فهو له صدقة "
فما يقول من ملك قواشين بعشرات او مئات الدونمات ولم يزرعها او يفيد بها لا بشرا ولا دابة ولا استفاد هو منها بصدقة.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية