حفل لإعادة تعريف علاقة المواطن بالدولة..!

الكاتب : حسين الرواشدة

آخر نسخة وردتنا من الحكومة حول مشروع «العقد الاجتماعي « (هل تذكرونه..؟) جاءت بتوقيع اشهرته بامتياز وزيرة التخطيط، ماري قعوار، تحت عنوان اعادة تعريف « علاقة المواطن بالدولة»، الوزيرة تحدثت بالنيابة عن رئيس الوزراء بمناسبة الأسبوع العالمي للحكومات الشفافة (!) الذي تحتفل به كافة الدول الأعضاء في المبادرة، وقد نقل عن الوزيرة قولها : « إن الخطة الوطنية الرابعة 2018-2020 التي قدمتها الحكومة للمشاركة مع الحكومات الشفافة في المبادرة تهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة من خلال تعزيز مفاهيم الشفافية الحكومية والمساءلة والمشاركة الشعبية وحرية الوصول إلى المعلومات، وتسخير التكنولوجيا الجديدة لتعزيز الحكم الرشيد».
لا تعليق لدي على هذه الخطة الوطنية التي مضى نحو عام على اشهارها، دون ان نرى «تطبيقاتها» العملية حتى الان، كما لا اريد ايضا ان اعيد ما نشرته في هذه الزاوية حول العقد الاجتماعي الموجود اصلا، لكن لدي سؤال واحد، وهو : هل نحتاج فعلا الى اعادة تعريف علاقة المواطنين بدولتهم « ثم كيف وفي اي اتجاه وتحت اي عنوان، ثم لماذا في هذا الوقت بالذات..؟

في غياب المعلومات لا يتوفر لدي اي اجابات مقنعة يمكن ان اقدمها للقارئ، لكن لدي رأي اسجله هنا على هامش ما قالته الوزيرة وما سبقها اليه رئيس الحكومة، اذا كان المقصود هنا هو الولاءات العشائرية أو الطائفية أو «المنابتية» فهي - في الاصل - جزء من الولاء للدولة - أية دولة - وعليه يفترض ان تندرج في اطار الدولة العام، وان تتماهى فيه، واذا حدث ثمة التباس بينهما أو تعارض فان انتماء المواطن لدولته يتقدم بالضرورة على انتمائه الخاص، أما حين يسود المنطق المعكوس، فتحتاج العلاقة بين المواطن، بخياراته واضطراراته، وبين دولته بقوانينها ومصالحها، الى تحرير واعادة نظر..لا اتحدث هنا من زاوية الاقتصاد وانما من زاوية اوسع لا يمكن اختزالها في مجال سياسي او اقتصادي فقط لان علاقة الناس بدولتهم عابرة لكل هذه المجالات.

رغم ذلك، فمع رسوخ مفهوم «المواطنة» كقيمة وكتطبيق، ومع اشاعة ثقافته في الواقع، واعتماده معيارا عاما لتحديد وضبط علاقة الانسان مع الدولة التي يقيم فيها، أو ينتمي اليها، يمكن ببساطة أن نتحرر من اشكالية «تعدد» الاعتبارات والانتماءات، ودفعها الى التكامل بدل التباين، والى فهم الاولويات المفترضة بدل تجاوزها واختراقها، والى الانتصار للقانون الناظم للعلاقات بدل الالتفاف عليه أو ابتداع ما يلزم لاختراقه.

في غياب قدرة الحكومة على اقناع الناس بمقرراتها واجراءاتها، تراجعها عن اعلاء شأن «القانون» كحكم واداة لرفع ومد موازين العدالة، واعتمادها «لمساطر» مختلفة في تحديد الاولويات، وفتح الملفات، ومعالجة القضايا المختلفة، يصبح من السهل فهم عودة الناس الى «الأطر» التقليدية التي يجدون فيها حلولا لمشكلاتهم، ومهادا أمينا للاحتماء من أخطائهم، وقوة كافية للدفاع عنهم، أو الانتصار لهم ان واجهتهم مشكلة، كما يصبح من الصعب على الدولة ان تفصل بين الاعتبارات العامة والشخصية، أو ان تتجاوز الخاص الى العام، حتى وان كانت المسألة قانونية محضة ولا علاقة لها بالسياسة.

في اطار هذا الاختلال العام في الفهم والتطبيق معا، سواء لقضية المواطنة، أو لمسائل مثل المحاسبة والمساءلة، أو لقيم مثل المساواة والعدالة، أو لملفات مثل الفساد وتوزيع مكتسبات التنمية، يبدو من الصعب الحديث عن اعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على اسس "الحكم الرشيد"، او حتى تخمين ردود فعل المواطن أو فهم اتجاهات المزاج العام، خذ مثلا قضية مثل محاسبة من يتورط في التعدي على المال العام، المفترض - بالطبع - ان تثير مثل هذه القضايا ارتياحا عاما لدى الناس، باعتبارهم الطرف المعني بها، والاكثر الحاحا على الحكومات المختلفة بفتح ملفاتها، ومحاكمة اصحابها، لكن قد يحدث العكس، ويخرج من يطالب بطي الصفحة، وعندها يمكن ان نقدر معنى هذا الاختلال، وان نحدد أسبابه.. سواء كان المجتمع ضحية لانطباعات وتأثيرات معينة، أو كانت المقررات غير مقنعة بما يكفي، أو غير مكتملة أو يشوبها خلل هنا أو هناك.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية