ترشيد الانفاق الشخصي.. بين عالمين

بقلم :هالة يانس / مدربة مالية معتمدة

حينما كنت أبحث "كالعادة " في شبكة الانترنت عن أحد مواضيع إدارة الأموال الشخصية و التي شغلت فكري في الآونة الأخيرة ألا وهو " ترشيد الانفاق الشخصي " , استوقفني التوجه الكبير لترشيد الانفاق لدى دولة عظمى كما الولايات المتحدة الامريكية والتي تصدرت "العالم الأول" كما يلقبونه , حيث يمتاز هذا العالم وكما نعرف بأن دوله ذات اقتصاد متقدم ولديها مؤشرات تنمية بشرية عالية بالمقارنة "الخجولة" مع دول "العالم الثالث" وكما يدعوننا.

ولعلك تسأل/تسألين ما الذي أستوقفني ؟

لأعيد صياغة الكلمة وأقول " أدهشني " العالمين حيث بمقارنة بين " هم ونحن " , (هم) لأنهم بدخولهم المرتفعة - حيث بلغ متوسط دخل الفرد عام 2016 في الولايات المتحدة الامريكية 59 الف دولارسنوياً - والتي كان من الممكن أن تكون مبررلهم لعدم توجههم للتوفير و ترشيد الانفاق ومن ثم التراخي عن هذا الأمر , إلا أنه على العكس فقد تنامت لديهم دعوات كثيرة للسير في هذا النهج , حتى تمت مناقشة هذا الموضوع في العديد من البرامج التلفزيونية الأكثر مشاهدة لديهم وعلى اشهر المحطات.
تخيلوا أن الفرد الأمريكي مستعد لتعيين خبير أو مستشار مالي لمساعدته في التوفير أو كبح جماح رغبته الشرائية أو التخطيط له لتسديد ديونه البنكية أو حتى لتمكينه من الإدخار و الاستثمار , كما أنه لا مانع لديه من اقتطاع أجر هذا الخبير أو المستشار من دخله لفترة معينة , فقد ترسخت القناعة لدى هذا الإنسان " المثقف مالياً " بأن مردود ذلك سيعود عليه أضعاف هذا الأجر المدفوع لمستشاره المالي.

هذا هو نمط تفكيرهم وهذا هو توجهم المتنامي في السنوات الأخيرة وذلك بعد أن سادت لديهم أنماط إنفاق أو استهلاك مبالغ بها , أدت لتفشي ظاهرة الديون مثل ازدياد اعتماد الفرد لديهم على البطاقات الائتمانية , ولن ننسى أزمة الرهن العقاري التي ظهرت فجأة عام 2007 نتيجة لتوقف عدد كبير من المقترضين في امريكا عن سداد الاقساط المالية المستحقة عليهم , ولما كان لها من تأثير على الاقتصاد العالمي حينها وعلى الشعب الامريكي الذي بات عدد كبير منه بلا مأموى , لهذا استيقظت هذه الأمة من غفلتها وبدأت بإيجاد حلول لمشكلة زيادة الانفاق الفردي لديهم .

وعندما أعود الى معسكرنا (نحن) - معسكر دول العالم الثالث - ومن بينها الأردن الذي بلغ متوسط دخل الفرد الاردني ما قيمته 3350 دولارسنوياً فقط عام 2016( أي ما نسبته 5.7% من متوسط دخل الفرد الأمريكي ) , حيث كان من باب أولى أن توقظنا بل تهزنا نحن هذه الحقيقة ! وحقيقة أخرى متمثلة بارتفاع المستوى العام للاسعار في السنوات الأخيرة وانخفاض القدرة الشرائية لنا , ومن ثم تدفعنا لنكون في مقدمة الشعوب التي تتوجه لترشيد انفاقها الفردي أو الأسري.

لماذا الاستغراب من هذه الدعوة ؟

أليس نحن من تربينا على حكم تراثية مالية تقول " على قد لحافك مد رجليك " و " خبي قرشك الأبيض إلى يومك الأسود " , فلماذا أصبحنا نمشي مع اتجاه لا يتناسب مع موروثنا الثقافي و لا حتى المنطق؟ بل بشكل مغاير تحول نمط الاستهلاك لدينا وبشكل مخيف في السنوات الأخيرة (وذلك للغالبية العظمى ) من الاستهلاك العادي على الحاجات الأساسية , الى نمط الاستهلاك غير العادي والذي يفوق استهلاك الحاجات الأساسية الى الرغبات و الكماليات وأمثلة ذلك الكثير , أذكر منها :

• مارثون امتلاك الهواتف الخلوية و الاجهزة الذكية الأحدث والباهضة الثمن بالرغم من الدخل المنخفض و الالتزامات العديدة الأخرى , كيف لا وقد تضخم شعور الفرد منا "بالمفاخرة "وإلا سأرى نفسي خارج السرب ومختلف عن اللاهثين وراء المظاهر لا التكنولوجيا .

• التكاليف الباهضة للمناسبات التي تقام كما الأفراح و حفلات عيد الميلاد والتخرج وحتى "المآتم" .

• التنافس في تسجيل الابناء في المدارس الخاصة المرموقة برسوم وأقساط مرتفعة ظناً منا أنها ستقدم لابنائنا المزيد من العلم والمزايا التي ستجعل من أولادنا جيل نفتخر به , علماً بأنها قد تتساوى في كثير من الأحوال مع جودة التعليم لمدارس تكلفتها أقل بكثير , لا أعلم هل يعزز ذلك شعورنا بالتفاخر أيضاً ؟ نحن نسجل أبنائنا في هذه المدارس مع تحملنا لأعباء مالية كبيرة ولا نعلم بأننا نضيع فرصة لاستثمار فروقات الأسعار هذه في مشروع صغير مفيد مثلاً يسدد ديوننا والتزاماتنا ويبني لابنائنا مستقبلاً آمناً .

• ولا ننسى أقساط السيارات الحديثة و القروض السكنية والعقارية المبالغ فيها والملابس التي يتم شرائها من غير حاجة أو مناسبة , و المصوغات الذهبية التي تتباهى بها نساؤنا في كل صولة وجولة .

دعوة مالية وليس بخلاً :

لا أدعو هنا الى البخل , فهناك فرق كبير بين أن تبخل على نفسك وبين أن تحرمها من بعض المقتنيات والمصاريف غير الأساسية وتعيد التخطيط لحياتك مالياً لتحقيق أهدافاُ مالية ترتقي بك , عندما تستغل مالك بشكل صحيح وتنميه و تترك نمط حياة يجعلك تحقق متعة مؤقتة فتحيا بعدها قلقاً و مهموماً و متوجساً من مستقبل مجهول غير متضح المعالم , لأنك لم تلتزم بخطة مالية ممنهجة تنجيك من شبح العوز أو الدين أو الخذلان .

دعونا نفكر كما يفكر "العالم الأول" على الأقل بترشيد انفاقنا , لنعالج مشاكلنا المالية أولاً ومن ثم نرتقي الى المستويات المالية الأخرى , فمن يقرأ سطور واقعنا يرى أنه ملجأنا الوحيد الآن.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية