بلال التل يكتب: عن شاهر الذي مضى

بلال حسن التل

وُري الثرى يوم الثلاثاء الماضي خالي المغفور له شاهر خليف التل، وفي مثل هذاالمصاب يتداعى إلى خاطر المرء شريط من الذكريات، مصحوب بحالة من التأمل واستخلاص العبر والتعلم منها، وهو بالضبط ما حدث معي فور سماعي بنبأ رحيل خالي إلى دار الخلود.

أول ما استوقفني وأنا استعرض شريط الذكريات أن خالي لم يكن قد اطلع على أحدث نظريات التربية والتنشئة وفنون تربية الأبناء، ومع ذلك ترك خلفه كوكبة من الشباب الذين يُشد بهم الأزر لأنهم ممن يشهد لهم الجميع بحُسن الخلق وروح التعاون وبالصلاح والالتزام الديني، مع أن أبيهم لم يكن داعية إسلامية، ولم يكن منخرطاً في تنظيم إسلامي، وهذه مفارقة تسترعي النظر، ذلك أننا نسمع ونلمس ونعايش الكثيرين من أبناء الدعاة والخطباء وزعماء التنظيمات الإسلامية فلا نجد فيهم صفة مما يدعو أباؤهم الناس إليها، فلا أداء للفروض ولا الالتزام بمكارم الأخلاق، ولا احترام لقيم المجتمع، مما يؤكد أن التربية هي معايشة وسلوك وحنان وعطاء، وليس مواعظ جافة هذه واحدة.

أما الثانية فإنها ترتيب أولويات وهذه سنة من سنن الله "وأنذر عشيرتك الأقربين" لذلك بدأ رسول الله عليه السلام دعوته بزوجه خديجة، وابن عمه علي بن أبي طالب، لكن الذي نلمسه أن الكثيرين منا يعكسون الآية، فيهتمون بالدائرة الأبعد ويهملون دائرتهم الضيقة، ولعل هذا ما يفسر لنا ما نلمسه من عدم التزام الكثيرين من أبناء الدعاة بتعاليم الدين وبمنظومة الأخلاق، وهو الأمر الذي ينسحب على الكثير من أبناء مروجي النظريات الحديثة في التربية،التي نرى نتائجها في بيوتنا وفي مدارسنا وجامعاتنا، على شكل تفلت وانفلات من كل القيود والمنظومات القيمية، بينما نرى الأسلوب التقليدي في التربية والعلاقات الأسرية أعطى عطاءً مختلفاً من نماذج الالتزام المعتدل في كل شيء، والذي نتمنى أن يسود في مجتمعنا.

ومثلما أن خالي شاهر لم يطلع على أحدث نظريات التربية والتنشئة، فإنه أيضاً لم يدرس نظريات العلاقات العامة، ولم يدخل دورات "كيف تكسب التأييد"، لكنه كان ببسطه قادر على التسلل إلى قلوب الناس والسكن فيها، لأنه كان يجسد كل المعاني الجميلة في حياتنا من نقاء السريره به مثلما كان رجلاً عفوياً بسيطاً مباشراً، متصالحاً مع نفسه ومحيطه، لذلك أحبه كل من عرفه، لأنه كان يرى فيه رجلاً يضج بالحياة والأمل، لا تكسره صعاب الحياة ولا تدفعه ملماتها إلى اليأس والإحباط والتشاؤم فلم يراه أحداً إلا وعلى وجهه ضحكة رضا صادقة، وسر ذلك عندي هو الرضا والقناعة اللتان كان يتصف بهما رحمه الله، وهما الصفتان اللتان غابتا عن مجتمعنا في السنوات الأخيرة، فصارت الشكوى وصار التبرم عنوان لحياتنا وصار الجشع محركاً لهذه الحياة فصارت حياتنا مليئة بالإحباط والسوداوية اللتان نجا منهما شاهر الذي مضى، والذي كان يمثل جيلاً من الأردنيين الذين علمتهم الحياة ففهموها، وربتهم أسر متماسكة على قيم أصيلة فانتصروا على كل تحديات الحياة ومغرياتها، فتميزوا عن الأجيال التي تلتهم والتي تربت في أحضان أسر فقدت الكثير من تماسكها، وربت أولادها على نظريات مستوردة في التربية، فخرجوا جيلاً ضعيفاً هجيناً لم يتعلم من الحياة، فصار ضعيفاً أمام تحدياتها ومغرياتها،فكانت النتيجة حصاداً هشيماً، كما نرى إلا من رحم ربي الذي أسئله الرحمة لخالي.

Bilal.tall@yahoo.com


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية