أصحاب الدم البارد والعقلانية الخبيثة


الكاتب : اسماعيل الخوالدة
أذكر أنني زرت، ضمن وفد من الباحثين الشباب، في مقتبل حياتي الأكاديمية، أحد المراكز البحثية الشهيرة، وثيقة الصلة بصناعة ورسم السياسة الخارجية الاردنية. والتقينا بأحد العاملين بالمركز، الذي أصبح فيما بعد رئيسا له، وسألته عما يشاع عن توجهات المراكز الأميركية.
فجاوبني بهدوء شديد أن المركز ينطوي على مشارب وتوجهات مختلفة، وقال: ورغم ذلك فإن البعض يطلق على العاملين بالمركز بأنهم من ذوي الدم البارد.
مر ما يزيد على العقد من الزمان منذ سمعت مقولة الدم البارد، وما تزال ترن في أذني كلما حاقت بالعالم العربي الكوارث، وأطلت عليه المحن والخطوب.
يستخدم الاردنيون مقولة الدم البارد هذه حينما يصفون شخصا ما بأنه عديم الإحساس، تقوم الدنيا من حوله وتقعد، ولا يحرك ساكنا. فالزوج دمه بارد حينما تعامله زوجته بغطرسة وامتهان وقلة ذوق وتملي عليه أوامرها،
بينما هو لا يتمرد، يطيعها في كل ما تأمر به، وينفذ لها كل طلباتها. كما أن الزوج دمه بارد أيضا حينما تقوم زوجته بامتهان أهله، وبشكل خاص والدته، أمام عينيه، ورغم ذلك لا يتخذ موقفا واضحا وصارما يصون به كرامة أهله.
إضافة إلى ذلك، فإن الاردنيين يستخدمون توصيف الدم البارد في الكثير من ممارسات الحياة اليومية أيضا، فالرجل دمه بارد حينما يرى امرأة واقفة في وسائل المواصلات العامة ولا يترك لها مكانه لتجلس ، كما أن الشباب دمهم بارد حينما لا يبادرون لمساعدة كبار السن ونجدتهم.
كما أن الأبناء دمهم بارد حينما لا يهبون لمساعدة آبائهم والوقوف إلى جانبهم في أوقات الشدة والعوز.
خلاصة القول، أن الاردنيين يستخدمون توصيف الدم البارد لتلك الممارسات والسلوكيات والتوجهات التي تتعارض مع أبسط مسلمات النخوة والشهامة ونجدة الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن توصيف الدم البارد يشتمل على العديد من الممارسات الأخرى، فالمرؤوس دمه بارد حينما تنهمر قلة أدب رئيسه عليه، ولا يرد عليه ولا يتخذ موقفا تجاهه، كما أن الشعوب أيضا دمها بارد، حينما لا تتخذ موقفا تجاه ما تمليه عليها حكوماتها، وأخيرا فإن العالم العربي برمته يتسم ببرودة الدم تجاه ما تقوم به إسرائيل نحو المنطقة العربية، بينما هو سادر في أحاديثه المستمرة عن السلام وجدوى تحقيقه.
استدعت ذاكرتي توصيف الدم البارد في غمرة أنهار الدماء المتدفقة في بلاد العرب والمسلمين، وفي غمرة الإرهاب الإسرائيلي الأميركي على المنطقة كلها ، لم يجد هؤلاء إلا الحديث عن السلام، وضرورة إيجاد حلول شاملة للمنطقة العربية، أما الحديث عن إسرائيل وعن أميركا وعما يقومان به في العالم العربي والاسلامي، فهم أجبن من أن يتناولونه عبر كتاباتهم التي يتحفوننا بها، أو يقتلوننا بها ليل نهار
لا تقف الساحة العربية الآن عند هؤلاء الباردين من دعاة العقلانية المريضة، فمن حسن الحظ، ومن تصاريف الأقدار، أن عالمنا العربي مازال يمتلك العديد من الكتاب ذوي الدم الحار الذين يمتلكون النخوة والقدرة على الانفعال تجاه ما يحدث حولهم في المنطقة العربية.
هؤلاء هم من يكتوون بنار ما يحدث فيه من إرهاب إسرائيلي أميركي، يتفاعلون تفاعلا حقيقيا معه ومع التأثيرات الناجمة عنه.
لا يعني ذلك أنهم لا يستهدون بالعقل من أجل التغيير، قدر ما يعني أنهم يمزجون العقل بالضمير من أجل المقاومة والصمود ونبذ هذا السلام الواهن الواهم الضعيف.
اللهم اجعلنا من ذوي الدم الحار وجنبنا هذا البرود وتلك العقلانية الخبيثة..


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية