حوار على رصيف الوطن (2)

 

بقلم حسن محمود الشقيرات

بعد جلوسنا على المقعد على ذاك الرصيف ، سألت معلمتي : لم طلبت اللقاء على هذا الرصيف ؟ وكان الوعد أن نلتقي على رصيف آخر . فقالت : نعم .. تستطيع اعتباره رصيفا ً آخر.. لأن الحديث مغاير ومختلف عن ذاك الحديث ،لقد قرأت أيها المغترب عن ذاته رسالتك للوطن وأدركت شيئاً مما فيها ، وحوارنا اليوم قريب من ذاك ، أسئلة أريد أن تجيبني عنها.
فقلت لها : سلي عما بدا لك.
فقالت : ما هو الوطن ؟ اريد تعريفاً له ، تعريفاً غير تلك الأفكار التي قرأناها في في المدارس والكتب، أريد تعريفك أنت ، ومفهومك أنت
فقلت لها:
وطني أو الوطن
مساحة من الشريان للشريان تمتدّ
لها في الأحداق حدٌّ
وفي الأجفان لها حدٌّ
وطني فراشة في الأرض لجناحها تمد
وطني غادة عليها من دحنونه صبغ
فماس الجيد واحمرّ الخدّ
وطني فتى امتشق عزمه وراح يدفع عنه عاديات الزمن حين ألمت به ذات أيار أو حزيران أو إن شئت فذات آذار
وطني سهل ينبت قمحاً ،
محارب يحمل رمحاً
وطني ... آه يا وطني
وطني وجع في قلبي
أعطيت له حباً كل الحب
وطني... سر لا أدري كنهه
وطني ذكرى تؤرقني ...
وهم يثقل كاهلي ..
وطني ...
فلمّا رأت معلمتي ما ألمّ بي ..قالت : حدثني عن تاريخ وطنك وأهله وساكنيه
فقلت لها :
وطني تاريخ قديم عريق تليد
شواهده في الجبال والبيد
مع بدء الخليقة كان ابتداؤه
ذكره المؤرخون .. وتغنَّى به الشعراء.
وأهله.. هم القابضون على جمر حبّه .. منهم من نشأ معه، ومنهم من جاء اليه حبّاً أو هرباً
كان ملاذ الخائف
مهجرَ المشرد
كان أهله أسرة واحدة
يفرحون معاً يحزنون
يأكلون ويشربون
لن تجد بينهم جائعاً إلا إذا كانوا جميعا كذلك
حتى إذا
(نامت نواطير مصر عن ثعالبها)
دخل عليهم صنف جديد ، أفسدوا زرعه ، ونهبوا خيره، واستأثروا به ، فهم برامكته، الذين أبعدوا أهله ولم يسمحوا لهم إلا بصغير الأعمال وكل قيادة بأيديهم ،
وأهله صابرون يرددون مع الشاعر:
"يا صبر أيوب لا ثوب فنخلعه"
وهاهم يعضون على الجراح صابرين محتسبين خوفاً على الوطن ....
وهنا سكتّ وجعاً وألماً ، فلفّنا الصمت بردائه إلى أن قالت:
وأجزاء الوطن كيف تراها ؟
فنظرت لها متسائلا فاستدركت قائلة: في كل الدول والأوطان ، يكون الجنوب والشمال والشرق والغرب، فغالبا ما تتمتع كل جهة بتضاريس ومناخ تؤثر على سكانها ، فكيف هي في وطنك ؟
فقلت لها: في وطني لا يوجد هذا ، لأنك من جبل في الجنوب ترى سهول الشمال ومن عطس في الغرب يشمّته من في الشرق ولن تجدي من يدعو بهذه التقسيمات إلا من تأثر بأفكار برامكة الوطن وأزلامهم ممن يتبعون فكرة (فرق تسد) ليتمكنوا من السيطرة على عقول أهل الوطن كما سيطروا على خيراته.
فقالت معلمتي : قم أيها المغترب عن ذاته ودعنا نسير حتى ينهض الرشيد ، أو علنا نصل الى رصيف جديد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية