الإدارة الأردنیة...نجاح وإخفاقات

الكاتب : د. صبري ربيحات

الكثیر من مدراء الماضي لم یكتبوا سیرة ذاتیة ولا تقریرا للحصول على جائزة رفیعة

من الصعب ان یرد ذكر الجمارك الأردنیة دون أن یخطر بالبال مسیرة یاسین الكاید وممدوح الصرایرة ومحمد عودة القرعان

 

بعیدا عن جوائز التمیز والاشادات التي یتهافت علیها المدراء والحوافز التي یتسابق الجمیع لنیلها كانت الادارة العامة الأردنیة تعمل بكفاءة عالیة وفعالیة عز نظیرها.

الكثیر من الاسس والقیم والمعاییر تم ارساؤها قبل ظهور تقنیات العروض المنمقة واستعراض الاستراتیجیات التي لا تطبق وشاشات العرض لنسب الانجاز التي یستعان بها لصناعة الصورة الذهنیة عن المؤسسات واحداث التأثیر على احكام لجان التقییم والرؤساء.

الكثیر من مدراء الماضي لم یكتبوا سیرة ذاتیة ولا تقریرا للحصول على جائزة رفیعة فقد كانوا یدیرون اعمالهم بمنهج تتداخل فیه القیم مع المعرفة والاخلاص مع حب الوطن والایمان بالدور والمهمة مع الحرص على السمعة .

الیوم رحل الكثیر من هؤلاء الرجال لكن آثارهم باقیة وستظل منارات هادیة على جدار الزمن.

من الصعب ان یرد ذكر الجمارك الأردنیة دون أن یخطر بالبال مسیرة یاسین الكاید الذي تعرض لمحاولة قتل في ثمانینیات القرن الماضي وهو على رأس عمله مدیرا للجمارك. ولا أحد یستطیع مهما حاول أن یتناسى مسیرة الحاج ممدوح الصرایرة الذي ادار الجمارك بمهارة وحكمة في ستینیات وسبعینیات القرن الماضي و في ظروف امنیة صعبة لیصبح اسمه مقرونا بأسماء الوزراء والساسة في ذلك الزمان.

لاكثر من احد عشر عاما كان محمد عودة القرعان ایقونة للبیروقراطیة بمعناها الإیجابي حیث تنتفي الواسطة والمحسوبیة ویكرس المدیر جل وقته لیبث في اوصال الدائرة قیم الامانة والعدل والالتزام فاستحق ان یطلق علیه الراحل المرحوم جلالة الملك الحسین لقب امین الامة . لقد حرص القرعان على كل فلس للدولة واشاع بین كوادر الادارة الأردنیة صورة المدیر بصفته مواطناً یضع قدراته ومواهبه في خدمة الأمة.

هذه القیم ینبغي ألا تغیب عن المشهد ونحن نتابع القصص والتسریبات التي لازمت اكتشاف قضیة الدخان وما دار حول شخوصها من قصص وظنون واتهامات. فالمؤسسة لیست شخصا وانما تاریخ وتشریعات وانجاز علینا جمیعا أن نتجنب محاكمتها ونحن نحاكم الاشخاص ایا كانت مواقعهم وخطایاهم. فالاوطان تولد قبل الاشخاص والافراد یرحلون وتبقى الدیار ویتجدد رجالاتها.

منذ تأسیسها عام 1922 كانت الجمارك إحدى اهم المؤسسات التي تجسد سیادة الدولة وتحمي الاقتصاد وتحافظ على الامن . في مختلف المدن والقرى الأردنیة كانت وظیفة الرقیب الجمركي محط انظار الشباب الذین لا تتضمن خططهم الالتحاق بالجامعات ففي الزي الموحد للرقباء والاشارات المعدنیة على اكتافهم دلالات وسلطة لا یجدونها في الوظائف المتوسطة الاخرى.

الجمارك كانت واحدة من الدوائر القلیلة التي تمنح العاملین فیها حوافز شهریة یجري اقتطاعها من مخالفات التهریب وتوزع حسب معادلة ضمن البند الذي جرى التعارف على تسمیته “المساعي“.

للعمل في دائرة الجمارك والمكوس میزات مهمة كثیرة لیس اقلها أنها تتیح للعاملین حمل السلاح الفردي في الفضاءات العامة والتعرف على المستوردین والمصدرین وامتلاك سلطة الرقابة والتفتیش والوقوف على الجانب المعني بإنفاذ القانون.

من عبدالسلام كمال الذي تولى ادارة الجمارك والمكوس والاحصاء العام وحتى اللواء الرحامنة الذي یدیرها الیوم تقلب على ادارة المؤسسة 22 مدیرا وعرفت مبانیها وسجلاتها وذاكرتها صورا وسیرا لآلاف الرجال والنساء ممن خدموا اهدافها ورسالتها وتنقلوا بین نقاط الحدود ولاحقوا المهربین في الصحاري والاودیة والقیعان ورصدوا تحركاتهم في المراعي والموانئ والمطارات فشهد لهم العالم بالخبرة والدرایة والمهارة.

البنیة الاساسیة للمؤسسة اسسها خبیران بریطانیان ادارا المؤسسة في العشرینیات وحتى نهایة الاربعینیات من القرن الماضي. فقد تمكن كل من السید تیرنر ولیفنجستون من صیاغة وتصمیم نماذج البیانات للسلع ودربوا طلائع العاملین على وسائل المعاینة والتدقیق وغرسوا في المكان قیم العمل المهني الجاد وروح المنافسة على اداء العمل بجدارة واقتدار في العقود والسنوات التي اعقبت تاسیس الجمارك جرى تطویر تشریعاتها بما یتماشى مع النمو
الاقتصادي الذي بدت بواكیره خلال الاربعینیات خصوصا بعد أن اصدرت الحكومة البریطانیة قرارا بتموین جیوش الحلفاء من المنطقة وحصل الكثیر من اوائل التجار على وكالات الاستیراد ورخص التصدیر.

الكثیر من العاملین الیوم یسمعون بقصص الكومسیون والاكرامیات والفساد والعزل بهدف الاخلاء والاحالة على التقاعد خدمة لرغبة زبون لكنهم لا یعرفون الكثیر عن السمعة العطرة لقدامى مدراء ورجالات المؤسسة العریقة التي رفدت الاقتصاد بالاموال وحمت المنتجات الوطنیة وادارت النشاطات التجاریة حسب ارفع الاسس والمعاییر الدولیة دون الحصول على اوسمة وجوائز وترقیات.

على الموقع الالكتروني للجمارك العامة الیوم صور وسیر للمدراء الثمانیة الذین تولوا الاداراة في العقدین الاخیرین لكنه یخلو من سیر الرجالات والرموز الذین عملوا على تكریس اسمى قیم الامانة والشجاعة والعدل وتركوا ارثا مهنیا واخلاقیا ووطنیا یمكن التأسیس علیه. الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية