انتحار السياسي دون ميعاد

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

النزاهة والشفافية وتكافؤ الفرص والمساواة عناوين تحاول الحكومات أن تضخها في مسامع شعبها الغلبان، ولكن الحال كما قال المثل العربي القديم: أسمع جعجعة ولا أرى طِحنا، يعني كله كلام في كلام، والكلام ما عليه جمرك، فليقل من شاء ما شاء، ما دام لا يحاسب القائل على قوله، وصاحب الوعد على وعده، فليشبع الشعب من الكلام، الكلام وبس.
عندما يتبع السياسي خطة الكلام والوعود فقط دون أن ينزلها على أرض الواقع فهو في الحقيقة ينتحر سياسيا؛ لأنه يفقد مصداقيته، وتسقط نزاهته، ولن يصدقه أحد، ولن يحترم أحد، وهكذا تسقط هيبته، فيتم تغييره؛ لأنه صار كالثوب الذي أفسده الاستعمال فصار لا بدّ من تغييره؛ وبلغة السياسة صار ورقة محروقة لا تضر ولا تنفع.
كل هذا إذا كان السياسي يعد ولا يفي بوعده، ولكننا ابتلينا بما هو أكثر قبحا من ذلك، حيث نجد فريقا من السياسيين يعد وينظّر ويخالف فعلُه قولَه، يعني يقول: لا للفساد، فإذا به أسّ الفساد، ويقول: لا للمحسوبية: فإذا هو أبوها وأمها، ويقول: لا لهدر المال العام، فإذا به منبع الهدر كله، إنه انتحار سيدفع السياسي ثمنه من كرامته ونزاهته، ويكفيه أن يصفه الناس بالمنافق والكذاب.
أسوأ ما يفعله السياسي أن يشكل طبقة حوله ينتقي منها ومن خلالها أرباب المناصب، فتظل ذات الوجوه والأسماء تتكرر، طبعا مع الانتقال من فشل إلى فشل، فلا إنجاز ولا تطوير، إنما توارث للمناصب، وإفساد للصالح من شؤون البلاد، وفي نفس الوقت حرمان لأبناء البلد الصادقين من محاولة إصلاح ما أفسده المفسدون، إنها طريق الهاوية، وحافة الانتحار، ليس للسياسي فقط، بل لوطن بأكمله.
هذا السياسي الذي يظن أن مصلحة الوطن لن يحميها إلا ثلة قليلون حوله، من شلته وجماعته، هل هو حقا يفكر في مصلحة وطنه، هل هو مستعد لمحاسبة ضميره، هل هو مستعد للوقوف بين يدي ربه، أم أن الدنيا وزينتها أعمت البصائر والأبصار، فدخل السياسي في دورة الانتحار؟.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية