أزمـة ضـمير


بقلم : د. قدر الدغمي

لقد عرّف علماء الاجتماع الضمير بأنه قدرة الإنسان على التمييز بين الخطأ والصواب، أو بين الحق والباطل، لكن نعيش في وقتنا الحاضر تضارباً في الآراء حول الأزمة التي نعيشها، هل هي أزمة سياسية أم أزمة فكرية أم أنها أزمة اجتماعية ..؟
إلا أنني أكاد اجزم أن أزمتنا بعيدة كل البعد عن كل هذه الأزمات وإن وجد بعضها، بل تتجاوزها أحياناً إلى أن تصل إلى أزمة ضمير مزمنة، وهذه الأزمة تفرعت عنها بلا شك كل الأزمات والمصائب والكوارث التي لحقت بنا.
البعض ينافق، ويكذب، ويخادع، ويغش في سيبل الوصول والحصول على مبتغاه، لكن عندما يتعلق الأمر بمصلحة تتعلق بغيره وهذه المصلحة تتعارض مع طموحاته ومصالحه تراه يرتفع صوته وتنتفخ أوداجه، ويتغير لونه مستحضرا كبرياءه معلنا الحرب بكل ما أعطاه الله من قوة ضد ذلك، هذا كله باسم "الأنا" العالية لديه وحالة أزمة الضمير التي تنتابه.
إن موت الضمير وغيابه يظهر غالباً في التعامل بين المسؤول والمواطن والرئيس والمرؤوس وبين المواطن والدولة وبين العامل ورب العمل وبين البائع والمشتري وبين الأستاذ والطالب وبين المقاول وصاحب المشروع وبين الزوج والزوجة واحياناً بين الإنسان وذاته ... إلخ، ولو كان كل واحد من هذه الأطراف المكونة لهذه العلاقة الثنائية يستحضر ضميره عند التعامل مع الآخر لشاهدنا سلوكاً مغايراً في التعامل وكان الحكم إيجابياَ والنظرة تفاؤلية.
ومن الأمثلة البسيطة على أزمة الضمير والتي لا تعد ولا تحصى .. مثلاً أزمة الضمير هي التي جعلت بعض ضعاف النفوس على وضع أسمائهم في الصفحات المشرّفة في سجل التاريخ دون خجل زوراً وبهتاناً وهم لا تاريخ لهم يذكر .. أزمة الضمير هي التي جعلت عديمي الشرف والمروءة على اصطناع تاريخ لهــم من لا شيء علماً بأن تاريخهم مخزٍ .. أزمة الضمير هي التي جعلت عديمي الحياء على إلصاق التهم جزافاً بالآخرين بدافع حب الانتقام والتشهير ..إلـخ.
لا أريد التشعب في الموضوع وخروجه عن سياقه، لكني لم أجد سبباً يلخص نوم وغفوة وغياب وموت هذا الضمير، لكن يمكن أن أعزي أزمة الضمير هذه إلى طبيعة التحولات المختلفة التي طرأت على حياة الإنسان المعاصر منها ما هو عقائدي وسياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبيئي وما أنتجته هذه التحولات من تفاعلات عنيفة ومفاهيم جديدة في ظل الظروف المعيشية الصعبة والقاسية التي يعانيها ومعها يصارع البقاء، لذلك لا خوف إذا غاب ضمير الإنسان لحظة أو وقت معين، الخوف أن يغيب ضمير المجتمع أو يموت فعندها توقع أي شيء ..!! ولكي نحس بنبض الضمير وصحوته، نحتاج إلى "صعقات كهربائية" متكررة في جميع نواحي الجسد علنا نعيش على الأقل حالة تأنيب الضمير.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية