في خدمة الفساد

الكاتب : د. صبري ربيحات

خلال مساق الادارة الحكومیة الذي طرحته كلیة الادارة في جامعة جنوب كالیفورنیا العام 1980 تعرفت للمرة الاولى على مصطلح الفساد “ corruption ” كما یجري تناوله الیوم.

كان البروفسور CAIDEN GERALD ” ”رائدا من رواد البحث والتألیف في میدان الاصلاح الاداري والاخلاق في العمل العام. وقد كلفنا ان نقدم تقاریر خلال المساق حول اوضاع الادارة في بلداننا. كان غالبیة الطلبة في المساق من بلدان عربیة ولاتینیة وآسیویة وقلیل من الطلبة الامیركان.

في تلك الایام لم اكن اعرف شیئا عن الفساد ولم اسمع بالمفردة التي اصبحت احدى أهم القضایا التي تشغل الكتاب والساسة والناشطین. لم اعرف كثیرا من الامثلة التي تساعدني على السیر قدما في التمرین العلمي الذي كان ضروریا لاعطاء التعلیم بعده التطبیقي. حتى ذلك الوقت كانت غالبیة معارفنا في هذا المیدان مستندة الى مشاهد من افلام ومسلسلات وقصص غیر مؤكدة عن تجار مخدرات وسماسرة سلاح ومن قد یتعاون معهم من اجهزة العدالة الجنائیة.

من وقت لاخر كنا نسمع عن بعض الجرائم التي قد یرتكبها موظف عام دون الاكتراث الى اعادة تصنیفها . كانت الرشوة والاختلاس واساءة الائتمان بعضا من الجرائم التي تحصل من وقت لآخر وكانت البراطیل والبخشیش والحلوان مفاهیم مختلطة لا یستطیع الناس تحدید مواقفهم الفعلیة منها. البعض یباركها وآخرون یدینونها دون اتخاذ مواقف حاسمة منها.

في طفولتنا التي كان بعض المیسورین یؤجلون الولائم التي یقیمونها سنویا لأواخر الربیع لیتمكنوا من دعوة المعلمین في القرى الى الغداء قبیل اعلان نتائج الطلبة من اجل ان یراعوا اوضاع الابناء الذین تغیبوا كثیرا عن المدرسة خلال العام الدراسي ولكي یعرف الاساتذة اوضاع ومعاناة الاطفال الذین امضوا اوقات غیابهم عن الدروس والامتحانات في اعمال الرعي والزراعة التي تمارسها الاسرة. لم یكن المعلمون ینظرون الى هذا الطقس على انه ضرب من ضروب الفساد بقدر ما هو ممارسة تقلیدیة تهدف الى تعمیق الاتصال وتعزیز الفهم وخلق مناخ تربوي متفهم لاوضاع وظروف الطلبة.

مابین مطلع الثمانینیات والیوم تغیرت اشیاء كثیرة في بلداننا والعالم فقد اصبح المصطلح واسع الانتشار والادلة متناثرة والجمیع على درایة بما یحدث في وضح النهار وخلف الابواب المغلقة.

الشخصیات العامة تحت مجهر الاعلام والسلوك الاستهلاكي للاشخاص یكشف ابواب كسبهم وتربحهم والتداخل الكبیر بین القطاعین العام والخاص اتاحا للآلاف من صغار الموظفین وكبار من یملكون القرار ان یسخروا بعضا من صلاحیاتهم في القبول والرفض والترخیص والاغلاق والاعفاء والمطالبة لخدمة مصالحهم الآنیة ومشروعاتهم المستقبلیة.

لقد ادت حمى الخصخصة وما صاحبها من قیم وممارسات الى شیوع وتقبل مفردات الكومسیون والبونص والحوافز والامتیازات وغیرها من المفردات التي طمست المشاعر السلبیة المرتبطة بالرشوة والاستغلال الوظیفي واساءة الائتمان والاختلاس.

لا یجد المرء صعوبة في اكتشاف حجم الثراء الذي حققه بعض من یشغلون المواقع العامة في اوقات قیاسیة. انواع السیارات التي یستخدمونها والمؤسسات التعلیمیة التي یرسلون لها ابناءهم والبیوت والاجازات والولائم والهدایا والحسابات البنكیة في الداخل والخارج تكشف بما لا یدع مجالا للشك سلوك وممارسات الاغنیاء الجدد في زمن الفقر والتدهور الاقتصادي.

للفساد شبكات ونواد وجمعیات غیر مسجلة وصحفیون یلمعون صورهم ویتعهدون بمتابعة اطفاء كل الاخبار والقصص والشواهد التي قد یتم تداولها حولهم.

خدمة الفساد والفاسدین مهنة جدیدة یقبل علی?ا الكتاب والسماسرة والمحامون وبعض من یتولون مهنة التخلیص والوساطة والتطبیب.. الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية