أحاديث العفو

الكاتب : مكرم الطراونة

كثرة الحديث بالموضوع ذاته يفقده أهميته، ويضعف من تأثيره على المترقب لحدوثه، فالاستمرار بمضغ “العلكة” ينتهي بها إلى سلة المهملات لأنها ستصبح بلا مذاق في النهاية، أو سيصبح طعمها مرا لا يحتمل في الفم، رغم زيادة ليونتها، وانسيابيتها.

وعند تربية الأطفال، فإن أهم ما يحذر منه المختصون هو إطلاق الوعود والعهود دون تنفيذها لما لذلك من أثر سلبي بالغ سينعكس على سلوكهم وثقتهم بالأهل داخل المنزل، أو بالمعلم داخل الحصن المدرسي. لذلك لزم على من يتعامل معهم أن يمسك لسانه عن إطلاق الوعد في كل وقت وحين، بل ويتوجب عليه قبل إطلاق أي وعد أن يكون مستعدا لتنفيذه كاملا في الوقت الأمثل لذلك، وبلا نقصان.

“العفو العام”، قصة بدأت الحكومة بروايتها قبل نحو شهرين، فتلقاها المواطن بكل رجاء وأمل، لاعتقاده أنه سيحقق من ورائه فائدة عظيمة تتمثل في التخفيف من الأعباء المالية المترتبة عليه جراء مخالفات ارتكبها سواء لدائرة السير أو لأمانة عمان، لكن للأسف مؤلف القصة بالغ حد الوهم في كتابة مقدمتها، فتاهَ في وسطها، ولم يحسن خاتمتها، فعادت عليه بالضرر (تراجع الثقة بوعوده) أكثر من النفع (كسب الشارع) الذي كان يتأمله.

لو عمدنا إلى إجراء رصد للتصريحات التي أطلقها كل من رئيس الوزراء د. عمر الرزاز ونائب الرئيس د. رجائي المعشر ووزيرة الإعلام جمانة غنيمات بهذا الشأن لوجدناها عديدة في مدة زمنية قصيرة، وكلها تصريحات عكست عدم وضوح في الرؤية (المدة الزمنية، آلية التنفيذ، الفئة المشمولة بالعفو العام، والكلف المالية)، فتاهت الحكومة، وغدت تتخبط بلا هدى، بل افتقدت الطريق المستقيم للسير فيه.

وفي المثل الشعبي يقال “لا تقعد مقعد يقومك الرجال منه”، واعتقد أنه مثلٌ لا يحتاج إلى شرح، كونه شارحا ذاته بذاته، فعلى كل شخص دراسة خطواته بشكل جيد قبل السير بها، حتى لا يقع في فخ الحرج، وفقدان الهيبة أمام الجميع، وهذا ما فعلته الحكومة عند حديثها المتواصل عن العفو العام كلما تسنح لها الفرصة لذلك من دون أن تظهر ملامحه، وتفاصيله، ومدى نجاعته، أو إن كان سيساعد في رفع مستوى شعبية الحكومة أم أنه سيهبط بها إلى مستويات أدنى مما هي عليه الآن!

أعتقد أن على كل أردني اليوم أن يتناسى موضوع العفو العام، لأنه لو كانت الرؤية واضحة لسارعت الحكومة إلى إعلان تفاصيله منذ وقت مبكر، ولتغنت به، وهبت كهبوب ريح في فصل شتاء عاصف للترويج له على أنه منجز تفتخر به، بدلا من زرع إبر التخدير في أجساد المواطنين، عبر تهيئتهم نفسيا لاحتمالية عدم جدواه عبر الحديث عن أن المستفيدين منه لن يتجاوزوا العشرات (بحسب الحكومة فإن عددهم 150 شخصا ليس أكثر).

ولأننا في هذا المقام فتحنا المجال للاستدلال بالأمثال، فلا ضير من إضافة واحد آخر وهو “لا تقول للمغني غني غير لما يغني لحاله”، فلتعلن عنه الحكومة متى تشاء، وكيفما تشاء، وكل ما نطلبه هو أن تكف عن الإشارة إليه في كل مناسبة، أو كل لقاء تجريه، لأن أفكاك المواطنين تعبت من كثرة المضغ، وباتت “العلكة” أكثر قساوة، بل تؤذي الفم أيضا، من غير أن تقدم فائدة ترجى.

كل ما نرجوه أن يكون التصريح حول العفو العام هو ذلك الذي أعلنته الحكومة أول من أمس، ومناقشته في مجلس الوزراء أمس، وأن تستبدل تصريحاتها وأقوالها بأفعال تذهب فيها بكل جدية تجاه إقراره، فنحن لا نعتقد أن المسألة تحتاج إلى كل هذا التعقيد و”اللت والعجن”!

الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية