احتقانات تحت رماد «الانتظار»

الكاتب : حسين الرواشدة

على وقع الحراكات والاحتجاجات التي شهدناها خلال الايام الماضية يستأنف د. الرزاز «مارثون» البحث عن وزراء جدد لاجراء التعديل الثاني على حكومته، كما انه وطاقمه الحكومي يخوضان نقاشات صعبة (هل هي صعبة حقا..؟) لتمرير الموازنة ، هذا التزامن وربما يكون مناسبا لطرح سؤالين اثنين، احدهما: لماذا عاد الشارع الى احتجاجاته بعد نحو خمسة شهور على احداث الدوار الرابع ؟ والسؤال الآخر: هل تبدو لواقط النواب والرئيس مفتوحة لاستقبال ما صدر من ذبذبات شعبية بعد اقرار قانون الضريبة والاستعداد لوضع اللمسات الأخيرة على حزمة المقررات والتشريعات (اهمها قانون الجرائم الالكترونية ) القادمة؟
يمكن اضافة سؤال ثالث وهو : هل كنا نتوقع بعد اقالة الحكومة السابقة اننا سنكون امام انفراج سياسي حقيقي يفتح الباب لانتهاء مرحلة الشارع واحتجاجاته، وبداية مرحلة المصارحات والمحاسبات والمصالحات للانتقال - بعد ذلك - الى بناء مشروع النهضة والاصلاح بمشاركة الجميع، ام ان ما حدث كان مجرد لحظة كمون عابرة، او «استراحة» بين شوطين، وبعدها نتابع «المباراة» كما الفناها منذ اعوام، لان نتيجتها لم تحسم بعد.
للإجابة عن هذه الاسئلة استأذن بتسجيل بعض الملاحظات، أولها ان حالة الاحتجاج اصبحت جزءا من «حياتنا» العامة، وبمقدار ما تعبر عن حالة من الوعي والحركة والحيوية في المجتمع، فإنها تحمل - ايضا - اشارات مهمة، إذا ما تعمدنا إهمالها او عدم الانتباه الى ما يتغلغل داخل المجتمع من احساس بقسوة المعاناة، وثانيها ان صمت الحراكات في الشهور الماضية كان بمثابة «مهلة « لتسليف حكومة الرزاز الثقة واختبار نواياها، لكن ما حدث خلال الاشهر الماضية «خيب» آمال هؤلاء، اذ اكتشفوا مرة اخرى ان «نهج» الحكومات لم يتغير، وان نسخة الانجازات (!) الحكومية هي هي مهما كان الاشخاص ومهما تحسن منطق الخطاب، ولعل من تابع «هتافات» المحتجين أدرك ان قضية انطفاء شعلة «الشارع» والرهان على اضعافه وانهائه لم تكن محسوبة بدقة.
أما الملاحظة الثالثة فهي ان عودة الشارع، والتلويح بمزيد من الاعتصامات التي تتزامن مع حالة من «الاحتجاجات المطالبية» التي تشهدها الكثير من قطاعات العمل والمؤسسات، تؤشر الى ان «هوة» عدم الثقة بين الرسمي والشعبي ما زالت كبيرة، وأن ما انجز ما زال متواضعاً، وبالتالي نحن أمام أيام وشهور قادمة تبدو صعبة، ومن الضرورة ان نلتفت الى اصوات هؤلاء الذين ما زالوا خارج حسبة السياسة ومعادلاتها الراهنة، وان نأخذها على محمل الجد، لأن اعتماد منطق اللاهتمام والاستهانة سيفضي الى انتاج حالة متدحرجة من الغضب، وعندئذ سيكون ثمن احتوائها باهظاً ومكلفاً.
عودة الاحتجاجات –بالطبع- لم تفاجئنا وتصدمنا، فنحن نمر بمرحلة مزدحمة بالاحداث والمفاجئات الصادمة، لكن الاخطر من ذلك انها كشفتنا، فلقد تصورنا في لحظة «استرخاء» بعد ان تجاوزنا ما حدث في «الرابع» ان الامور هدأت، وان بوسعنا ان نفعل ما نريد دون ان يعترض الناس، كما تصورنا ان لدينا «عقلا» سياسيا جديدا يمكن ان نعتمد عليه، وان مؤسساتنا لا تزال تتمتع بما يكفي من عافية لكي تكون مقرراتها صحيحة ومقنعة، لكننا للأسف اكتشفنا ان المسألة اعمق من ذلك بكثير، وان تحت رماد «الانتظار» احتقانات يمكن ان تنفجر، وانتقادات يمكن ان تتحول الى حراكات في الشارع، وحالة «صمت» طويلة يمكن ان تفضي الى صراخ وضجيج وربما فوضى ايضاً.
في السنوات السابقة كانت شعارات «حل البرلمان» ورفض الحكومات تتصدر اولويات الشارع، وكنا نتمنى ان نتجاوز هذه المشكلة بعد ان دخلنا في «عصر حكومات الإصلاح» لكن النتيجة على ما يبدو لم تكن كما نتمنى، فقد عادت «الأصوات» والشعارات ذاتها، ما يعني اننا أمام مرحلة تبدو نسخة أخرى للاعوام المنصرفة، لكن الفارق هنا ان الرهانات فيما مضى كانت تحمل جزءاً من امل «التغيير» وانتظار ما يتحقق من وعود، وفق اجواء سياسية اتسمت بالهدوء في القرارات، وعدم اللجوء الى زيادات في الضرائب والأسعار، اما الآن فقد تغيرت المعادلات والرهانات.. واصبح واجباً الانتباه الى الشارع، والتعامل معه بحسابات اخرى تناسب المرحلة الجديدة.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية