كلام في البديهيات

الكاتب : د. رحيل غرايبة

النهوض والنهضة ليست مجرد شعارات جميلة، وعناوين صحف ومقابلات تلفزيونية وصحفية، ولن تتحقق بالرغبة المكتنزة في صدر الشخص المسؤول حتى لو كانت حقيقية وجامحة، والنهوض ليس مجرد أفكار مرتبة تسطر على الورق الباذخ، وليست مجرد نظريات تسعف المتحدث اللبق او غير اللبق مع حضور ومستمعين يجيدون التبسم وحسن الثناء وتكرار المضامين بقليل من التعديل.
النهوض عملية اقلاع مجتمعي شامل ؛ بكل مكونات المجتمع وشرائحه، وبكل أجياله ومستوياته الثقافية وعلى كامل الرقعة الجغرافية، والنهوض ثمرة سنوات طويلة مضنية من العمل المؤسسي المنظم المتكامل، قام عليه قادة وجنود وشعب كل قد علم دوره وتخصصه، وفق استراتيجية ورؤية تحظى بالتوافق والإجماع الشعبي ، ورسالة ترددها حناجر الأطفال الذين اصطفوا في طوابير الصباح المدرسي الجميل.
النهوض ثمرة تعليم موحد استطاع يصهر ابناء الأردنيين جميعاً في بوتقة وطنية واحدة، وثقافة واحدة، وهوية حضارية واحدة، يتخللها شعور بالمساواة على مقاعد الدرس، والمساواة أمام تكافؤ الفرص، والمساواة في تحمل الواجبات والاستمتاع بالحقوق، والمساواة أمام وظائف الدولة وامكانية الوصول إلى مواقع القرار، لا فرق بين ابن الفلاح الكادح في قيعان الغور ، أو ابن الجندي القابع على الحدود ، أو ابن الغطاس الذي يضحي بروحه في وحل البحر الميت ، مع ابن الوزير والمسؤول الكبير.
النهوض ثمرة شعور مشبع بالعدالة الحقيقية، وتمتع بإنتماء وطني عميق بعيد عن المحاصصة بكل اشكالها وانواعها، وشعور بعيد عن الإحساس النابع من بيت الشعر العربي القائل:
(كُتِبَ القَتْلُ والقِتَالُ عَلَيْنَا ..
وعلى الغانياتِ جرُّ الذيولِ)
النهوض ثمرة منهج سياسي ديمقراطي، يجعل المجتمع يفرز حكومته بحرية ، وأحزاب سياسية حقيقية برامجية قادرة على صناعة تنافس مسؤول بين الفرقاء الذين يملكون برنامجاً شاملاً لإدارة الدولة، والنهوض ثمرة لتمكين المجتمع من امتلاك القدرة على محاسبة اللصوص وقطاع الطرق وقادر على جرجرة أكبر حرامي للقضاء النزيه وايقاع العقاب الذي يستحقه، وثمرة التمكين المجتمع من منع احتكار المتنفذين لمقدرات البلد.
وبغير ما سبق فهذا يعني التسلي بلعبة تضييع الوقت، والتفنن في صناعة الإحباط الشعبي العارم لدى الأجيال، وممارسة لعبة تفريغ المصطلحات من مضامينها الحقيقية، وبهدلة الشعارات الجميلة.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية