الحكومات تحت الضغط الشعبي

الكاتب : د. هايل ودعان الدعجة

واضح ان هناك اجواء من الضبابية والاحباط تخيم على المشهد الوطني ، سببها عدم القناعة الشعبية بالاداء الرسمي ، معززة بفقدان ثقة المواطن بمؤسسات الدولة خاصة الحكومة والبرلمان. بطريقة جعلت كل ما يصدر عن الجهات الرسمية من سياسات وبرامج ومشاريع خارج اطار التقييم الموضوعي في ظل وجود ما يشبه الاحكام المسبقة على الاداء الرسمي.

وبدا ان المواطن بات اسير الاجواء والاعتبارات السلبية التي تسيطر على تفكيره وتقييمه لكل ما هو حكومي او برلماني ، وذلك على وقع الاخفاقات والاحباطات والنتائج السلبية التي بات يعيشها في مشواره الحياتي والمعيشي الاعتيادي عبر العديد من المحطات الحكومية والبرلمانية ، التي لم تجلب له الا المزيد من الاعباء والتكاليف المعيشية والاقتصادية والاجتماعية ، رغم اطلاق الوعود الايجابية والتفاؤلية ، التي اتخذت شكل الخطط والبرامج والاستراتيجيات الوزارية (وحتى الشعارات والبيانات الانتخابية ) . بطريقة كرست القناعات لدى المواطن بعدم جدوى تغيير او تشكيل او تعديل الحكومات ، او حتى اجراء انتخابات نيابيةاو بلدية او غيرها ، طالما انها عاجزة عن احداث الفرق ايجابيا ، لجهة تحسين الاوضاع الاقتصادية والاحوال المعيشية لديه . فبات يستشهد على صحة ما ذهب اليه من استنتاجات بمؤشرات مادية وقياسية ملموسة عززت من هذه القناعات ممثلة بالركود الاقتصادي وارتفاع الاسعار والضرائب والرسوم وحجم المديونية والبطالة والفقر والتضخم وتآكل القوة الشرائية وتراجع حركة الاسواق وغيرها . بما يمكن اعتباره بالتحدي الاكبر الذي بات يواجه الحكومات ، التي وجدت نفسها تعمل تحت هذا الضغط الشعبي بشكل اربك حساباتها وخططها وبرامجها واولوياتها ، لشعورها بوجود حالة من عدم الرضا او القناعة او الثقة الشعبية بأدائها مهما فعلت. الامر الذي قد يدفع بالامور نحو مزيد من التأزيم والتعقيد وفرض حالة من اليأس والاحباط مغلفة بظروف اقليمية صعبة ، تمثلت بالاحداث والحروب التي شهدتها بعض دول المنطقة كسوريا والعراق ، وفرضت نفسها على الساحة المحلية على شكل اعباء وتداعيات مالية واقتصادية واجتماعية سيئة . الامر الذي لم تنجح الحكومات بتسليط الضوء عليه ووضع المواطن بصورته لفهم الواقع ومعرفة هذه التحديات ، وذلك بسبب عجزها عن الاتصال والتواصل والدخول في حوارات مع الناس ، ما عزز من حراجة موقفها . صاحب ذلك حملات اعلامية ناقدة ومعارضة ومحبطة قادها الشارع بمختلف فعالياته ومكوناته الشعبية والشبابية والنقابية والحزبية ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها عبر منصات التواصل الاجتماعي زاد من صعوبة مهمتها ، لدرجة اننا بتنا نلاحظ ان هناك ما يشبه التعليقات الشعبية التي اتخذت طابع النقد او الاستهجان ، وربما الاستهزاء بكل جهد او نشاط حكومي او رسمي او برلماني ، وليس ادل على ذلك من التعليقات التي رافقت تعاطي الدولة بكل مؤسساتها مع التداعيات الكارثية والمأساوية التي صاحبت الاحوال الجوية التي شهدها الاردن مؤخرا ، وادت الى استشهاد عدد من المواطنين واصابة الاخرين . وقد امتدت هذه التعليقات لتصيب المواطن / الناخب نفسه ، وتحميله مسؤولية ما يحدث من سلبيات عندما تخلى عن ممارسة حقه الانتخابي او تعاطى مع يوم الاقتراع كمناسبة فردية لتحقيق منفعة مالية أنية عندما باع صوته ، ليدفع ثمن ذلك على شكل سياسات وقوانين وتشريعات جاءت على حسابه . ووصلت الامور ان نتابع مشاهد وفيديوهات تم تناقلها عبر هذه المنصات على خلفية الأحداث المختلفة التي رافقت الحالة الجوية الصعبة التي سادت بعض مناطق اقليم البتراء ومادبا تحديدا ، غطت عملية نقل عدد من السواح بواسطة البكبات في بادرة أخلاقية وإنسانية من قبل أهلنا في البتراء جسدت معاني النخوة والشهامة والأصالة التي يتحلون بها ، كحال إي مواطن أردني يحمل الهوية الأردنية بمضامينها ودلالاتها الوطنية والأخلاقية والإنسانية النبيلة والعميقة التي ميزت الإنسان الاردني عن غيره من شعوب الأرض ، ليأتي من بيننا بعض المتفلسفين والمنظرين من الذين امتهنوا توجيه النقد والسخرية والاستهزاء إلى هكذا بادرة طيبة ، كانت ستمر مرور الكرام لو أن الركاب كانوا من المواطنين الأردنيين ، أما وأنهم كانوا من الأجانب فقد قابلوها بهذا الاستخفاف . أي أنهم يقبلون للأردني ما لا يقبلونه للأجنبي . تأكيدا على عقدة النقص التي يعاني منها هذا البعض من كل ما هو أجنبي . وكنا سنسأل هذا البعض المتفلسف في ظل هذه الظروف الجوية المأساوية ، هل الأولوية كانت إنقاذ حياة هؤلاء الاجانب بغض النظر عن وسيلة الإنقاذ .. أم الانتظار إلى حين توفير وسائل نقل فارهة ، حتى وإن كان ذلك على حساب حياتهم ? . في تأكيد على المستوى الذي وصل اليه البعض في التعاطي غير المسؤول مع الاحداث او القضايا المؤسفة التي قد يتعرض لها بلدنا كغيره من البلدان.

ولما كان عمل الحكومات تحت الضغط الشعبي، سيدفع بها نحو التشتت وفقدان التركيز وارتكاب المزيد من الاخطاء والانحراف بادائها عن جادة الصواب ، فان المسؤولية الوطنية تحتم على مطبخ القرار الاردني مراجعة حساباته للأسس والقواعد المعتمدة لديه في تشكيل مؤسسات الدولة خاصة الحكومات ، بعيدا عن الواسطة والمحسوبية والشللية ، وبما يضمن تغيير النهج لا تغيير الاشخاص ومن بوابة الاصلاح السياسي ومن خلال تفعيل الاوراق النقاشية الملكية التي طرحها جلالة بوصفها خارطة طريق وطنية اصلاحية ، وتحويلها الى سياسات واجراءات وبرامج على ارض الواقع كفيلة بتشكيل حكومات برلمانية برامجية مؤسسية من شأنها تحرير الحكومات من الضغط الشعبي ، ومنحها مساحات وهوامش واسعة من الحرية في الاداء بعد ان يصبح المواطن شريكا فاعلا ومؤثرا في عملية صنع القرار من خلال اختيار من يمثله في الحكومة والبرلمان تمثيلا حقيقيا ، تجسيدا للمسؤولية المشتركة في تجويد الاداء العام في الدولة وتفعيله.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية