التغير المناخي ومستقبل المملكة، التحدي والفرصة فالتفوق

كتب أ. د. محمد الفرجات

لا شك بأن المملكة تمر بفترة بدأت فيها علامات التغير المناخي العالمي تظهر جلية وواضحة، حيث أن التساقط المطري أخذ أشكال توزيع مكاني وزمني مختلفة تماما عن المعدلات السنوية للعقود الماضية، كما وأصبح يتركز في مناطق دون الأخرى.

الفجائية وإرتفاع كميات المطر في فترة قصيرة أصبحت السمة الغالبة، والتي تشكل الفيضانات الومضية.

إحدى دراساتي العلمية مع أحد الزملاء والمنشورة في مجلة علمية محكمة تشير إلى إنخفاض في كميات الأمطار وتغير في خارطة التوزيع المطري في المملكة، حيث تزداد المناطق الجافة جفافا في الجنوب والشرق، بينما تتحول المناطق ذات كميات التساقط المطري الجيد في الوسط والشمال الغربي إلى شبه جافة.

ومن ناحية أخرى فطبيعة التساقط المطري زمنيا أصبحت تتجه نحو التأخر عن شهر أيلول وتشرين أول، حيث تحدث إزاحة للتساقط بإتجاه الفترة الأكثر دفئا، مما يقلل من فرص النمو الخضري والشحن الجوفي وإغناء التربة بالماء، حيث يستهلك التبخر جزء جيد من الماء. ويعد هذا تحدي واضح يواجه الزراعة والإنتاج الزراعي والغطاء الأخضر والصحة العامة وسلامة المحيط البيئي والتنوع الحيوي، فضلا عن قلة تجدد المياه الجوفية وتحسن نوعيتها والتي تعد مصدر الشرب الرئيسي وشبه الوحيد في المملكة.

التوسع بإستعمالات الأراضي بات يستهلك المساحات الزراعية الخصبة، كما وأصبح يزيد من خطر الفيضان المفاجيء عند زيادة الجريان السطحي وإنخفاض كميات الرشح للتربة.

تقلص المساحات الزراعية وإنخفاض التغذية الجوفية وتدني نوعية المياه الجوفية بجانب خطر الفيضان المفاجيء، تهديدات تعيشها المنطقة بما فيها المملكة بسبب التغير المناخي المتسارع.

الماء شريان الحياة والذي يشكل القاعدة التي يعتمد عليها مزارعو المملكة، ويشكل من جهة أخرى عصب الصناعة والسياحة، أصبح مهددا كمصدر، وهذا بدوره يهدد مصادر دخل نسبة كبيرة جدا من المواطنين، بينما يمس الناتج القومي والإقتصاد وقوة الدينار الشرائية.

إذن فلم نعد نتحدث عن خطر الفيضان، وإن كنت شخصيا أول من تنبه مع الزملاء لذلك عندما ركبنا نظام الإنذار المبكر لخطر الفيضان في البترا عام 2012.

كما وعندما أشرفت على المخطط الشمولي الإستراتيجي لإقليم البترا للعشرين عاما القادمة والذي أطلق في 2013، وضعت في مقدمة الإهتمامات وبالتعاون مع الشركات العالمية والتي فازت بالعطاء، أهمية الحفاظ على المناطق الصالحة للزراعة بدلالة خرائط خصوبة التربة، وخصصنا نطاق عازل حول حرم الأودية الرئيسية بمسافة 50 متر عن كلا جانبي المجرى، حتى وإن أثار ذلك حفيظة مالكي الأراضي وهدد مستقبل وتقبل المخطط، حيث كان مستقبل المواطن وأمنه في مقدمة الأولويات.

من الواضح بأن المستقبل القريب لا يحمل بطياته الكثير من المسرات إن لم نستعد جيدا، فالطلب على الطاقة يزداد، وعلى الماء يزداد، وعلى المواد الغذائية يزداد، وعلى فرص العمل يزداد، وعلى البنى التحتية والخدمات يزداد، وبالمقابل فالمديونية تزداد، والرؤى والخطط تكاد أن تكون غائبة، أمام حكومات تواجه الكوارث والهجمات الإعلامية، وتعالج تباعا ما يتصدر الفيسبوك من قضايا.

رؤية الملك حول المرحلة القادمة (دولة الإنتاج والقانون والتكافل، والصندوق الإستثماري الوطني)، نعمل حاليا في مركز الدراسات والإستشارات وتنمية المجتمع في جامعة الحسين بن طلال، على صياغة الرؤية وخارطة الطريق لها لتقدم في صيف 2019 لصانعي القرار، وسنأخذ هنا بجانب عشرات المدخلات موضوع التغير المناخي ومستقبل المملكة بعين الإعتبار.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية