من ذكريات تفجيرات عمان الأليمة..

مدار الساعة - بقلم: المحامي بشير المومني

كنت في الوجبة المكتبية المسائية وقد بعثرت اوراق قضية لأتناول جوانبها القانونية في المكتب الذي لا يبعد عن فندق الراديسون سوى مئات الامتار ..

فجأة تهتز نوافذ المكتب المغلقة بصمت الموت.. لم الق بالا فلعلها الريح.. هزة خفيفة .. لعلها .. ايا كان لم يخطر بالبال بأن الايادي الآثمة قد عبثت بطهر عمان ..

دقيقتان فقط.. دقيقتان لا اكثر وكانت صفارات الانذار تشتعل كما النار في الهشيم ويتوالى رجال الدفاع المدني تترا على الموقع.. تمر تلك الصفارات الحزينة مرورا غريبا من باب المكتب ..

يا ساتر .. اللهم يا رب استر .. خرجت لاستطلع الامر فعدد مركبات الانقاذ كان كثيرا متواليا .. يا رب استر بهذا كان الدعاء ويبدو ان حافلة نقل ركاب تعرضت لحادث كبير !!! هذا ما كان يخطر في البال ..

لأول مرة في حياتي كنت أتفقد الوجوه العابرة بين ثنايا حكاية الألم.. وجوه رجال الدفاع المدني في مركبات الانقاذ .. وجوه الرجال سيارات النجدة التي كانت تتابع .. كان يعتري ملامحها شيء مختلف .. لا زلت اذكر تلك الوجوه التي تشي بالغضب ..

غارقا في تفاصيل الحياة الطبيعية لم اتخيل يوما ان اعداء الحياة سيصل بهم الغدر والحقد والكراهية لهذا الاغداق والايغال بالاجرام غير المسبوق .. اتلقى اتصالا هاتفيا من أسرتي .. شقيقتي رحمها الله تعالى بكلماتها الممزوجة بكل عاطفة الكبرياء الاردني وقلق الفاجعة ( عد فورا للمنزل.. وقع انفجار في فندق قرب مكتبك.. سيغلقون المنطقة ..)

عدت للمنزل سريعا.. المرحومة أروى متقاعدة من القوات المسلحة ومديرة التمريض في مستشفى الاستقلال متجهزة .. (انطلق نحو مستشفى الاستقلال فورا ..) بالطريق كانت تتحدث مع الجميع وتعطي التعليمات وتستدعي الجميع للواجب .. هذا تدريب مدرسة قواتنا المسلحة وهكذا النشامى عندما يسمعون أنين الأردن ..

وصلنا لأول مقطع أمني .. (زميلتكم اروى المومني متقاعدة خدمات مديرة التمريض في مستشفى الاستقلال باتجاه الواجب ..) .. للواجب مفهوم مختلف عند كل من حمل يوما على رأسه الشعار .. تفتح الحواجز تباعا حتى وصلنا للموقع أما كلمة السر فهي (الواجب) .. رحمها الله (دير بالك على البنات) بهذه الكلمات ودعتني وودعتها بالدعاء ( الله يقويكوا ) ..

لم أشعر بحياتي بالعجز كما تلك الليلة وانا أشاهد من على شاشات الجزيرة.. أقلب المحطات وابتهل الى الله بالدعاء.. اعتراني غضب جامح.. نعم بكيت وانهالت دموعي من شدة الغضب.. كنت أشتم يمنة ويسرة .. وأجري الاتصالات فيشاركني كل من عرفت ذلك الغضب ..

كنت ابحث عن علم الأردن.. في تلك اللحظات ندمت على كل لحظة لم أشارك فيها بمظاهرة حتى لو كانت مع صف المعارضة وكنت أقول في نفسي لو كنت أشارك لكان لدي علم .. العلم ليس بالقلب فقط فلابد ان يكون موجودا في بيت كل أردني ..

كانت كل ذرة في جسمي تنتفض .. كنت أريد أن اتحدى الظلام واذهب لموقع التفجير لأرفع العلم الاردني وألوح به أمام كل شاشات العالم بالتحدي .. لكني لم أجد علما حتى لدى من هم حولي لأننا كنا نعتبر وجوده في منازلنا من قبيل الترف الوطني .. فبقيت هامدا في حزني تهزني كل يد صغيرة لطفل اراها ملطخة بالدماء .. بت من ليلتي في اسوأ حال وبين غضب وألم تنزل رغم انفي دموع جرح الكرامة الوطنية .. والغضب .. ثم الغضب .. ثم الغضب

في اليوم التالي .. بمقابل كل ذرة في بدني كانت تنتفض كان الشعب الأردني كله ينتفض .. وبمقابل كل علم حرمت نفسي منه كان الأردنيون يرفعون آلاف الأعلام.. والله وأقسم يمينا كان المشهد أعظم من ان يوصف بكلمات او دلالات .. كان الشعب كله يتحدى..

سقط الارهاب في وطني مع أول قطرة دم من طفل شهيد أو أب جريح وسقط مع أول دمعة لأم على ابنتها .. كنا جميعا في ذلك اليوم ببساطة (أردنيون) .. سقط الارهاب وسقطت مبرراته ودخل الشعب الاردني كله في الحرب على الظلم والظلام فلقد اختاروا الحياة ..

في الأردن سر ألهي لا أدري كنهه.. اعلم انه موجود .. هو موجود في كل كيان لأردني وأردنية صغيرا وكبيرا ذكرا وأنثى .. يقبع هذا السر في جيناتنا المجبولة بالحق والكبرياء والحياة والرسالة يدفع في كل لحظة الى هزيمة الارهاب ..

في هذا البلد سر ألهي عظيم .. للأردن رب يحميه .. أسالوا كل من يعمل أو عمل في قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية سيجيبكم بالحقيقة التي عايشها بأن للاردن سر ألهي .. هو يحمي هذا البلد لأمر كان مفعولا عقله من عقله وجهله من جهله .. فهزيمة القاعدة بدأت عندما تطاولت على الاردن وهزيمة داعش بدأت بعدما احرقوا ايقونة الشهداء معاذ ..


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية