آمنت بالله

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

ينظر الإنسان حوله فيرى زينة الدنيا وزخرفها، ويبهر بجميل صنع الله تعالى، حتى إنه يذهل بجمال الصنعة عن الصانع، ويتيه في لذة الوجود حتى ينسى الموجِد، إنه الخلق الذي نحبه حتى ننتشي ونسكر في حبه ونغفل عن الخالق سبحانه وتعالى، مع أن هذه الموجودات التي سخرها الله تعالى لنا وظيفتها الأولى أن تدلّنا على الله، فنعرف صفاته من خلال صنعته وخلقه.
ولا يكتفي الإنسان بالاستمتاع بهذه الموجودات المسخرة، بل يتنافس على تحصيلها، ويتجاوز القوانين التي جعلها الله ناظمة لحياة المؤمنين من عباده، كي يحسنوا التعامل مع الخلق بما يرضي الخالق، وبما يحقق مصلحة الجميع. وإذا نظرنا في هذه المخلوقات وجدنا أنها خرجت من العدم إلى الوجود، فلا بدّ لها من موجِد، وإذا دققنا النظر وجدناها تسير وفق نظام دقيق لا تحيد عنه، فعرفنا أن لها منظما وضع الأسباب والمسببات التي تنظم سيرها، وعرفنا أن هذا الموجِد وخالق النظام هو إله واحد أحد موجود قادر عالم سميع بصير ليس كمثله شيء، قادرعلى كل شيء، عالم بكل شيء، لا حدّ لقدرته وعلمه، أول بلا بداية آخر بلا نهاية.
وقد أرسل لنا رسلا اختارهم من بين البشر، هم صفوة خلقه، اتصفوا بالصدق والأمانة، وحسن التبليغ والفطانة، وأيدهم بالمعجزات الباهرات التي خرقت العادات دليلا على صدقهم، وصلتهم بخالقهم، وكأن المعجزة الخارقة للعادة تقول: صَدّقوا هذا الرسول فيما يبلغ عن الله تعالى.
وجاءنا هؤلاء الرسل الكرام بكتب مباركة، تدلنا على صفات الله تعالى، وترشدنا للعبادة والطاعة، وتبيّن الغاية من وجود الإنسان، والهدف من حياته، كما تبيّن مصيره بعد مماته، وتكشف لنا أن بعد هذه الدار الزائلة حساب وثواب وعقاب، إما الجنة وإما النار، والإنسان مخيّر في أعماله وعليه أن يختار، وأن الحساب سيكون على اختياره، والجزاء من جنس العمل، فليقدم الإنسان ما يريد، وسيلقى جزاءه عليه، الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها.
كما بيّنت هذه الكتب بدأ الخلق، وكيفية النشأ، ومصير الأقوام السابقين، من العصاة والطائعين، ليعتبر الإنسان بالأقوام الغابرين. ودعت إلى مكارم الأخلاق، والتأسي بالأنبياء والصالحين، الذين هم النماذج العليا من البشر، وهديهم خير هدي، وطريقهم أحسن طريق.
وعرفنا من خلال إيماننا بما سبق، بأن ما قدّر سيكون، ولا يكون شيء إلا بأمر الله، وعلى الإنسان أن يعمل فيما يختاره، وأن يسلم لله فيما لا خيار له فيه، فالمرض والحياة والموت والرزق بيد الله وحده، لا يملكها أحد من العبيد، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وعلمنا أن للإنسان وظيفتين في هذه الحياة، الأولى: أن يعبد الله كما أمره من خلال رسله، وأن يتقرب إليه كما علمه في كتابه، والثانية: أن يعمُر هذا الكون؛ لأن الإنسان خليفة الله على هذه الأرض، مأمور بعمارتها وإقامة حضارة تخضع لله سبحانه، وتسبح بحمده، كما كل الكون يسبح، لينتظم باختياره في منظومة التسبيح فيتميز عن سائر المخلوقات التي تسبح مسيّرة غير مختارة.
هذا هو الدين، علم وأخلاق وعمل وحضارة تخضع لله سبحانه، وتسير وفق أمره ونهيه مختارة، إعلاء لكلمة الله تعالى، وتقديمًا لها على هوى النفس ووسوسة الشيطان، اللذين يعملان على اختطاف العبد من القانون الإلهي إلى قانون الشهوة والأثرة والخصام، ليتحول الإنسان إلى كائن دون الحيوان، لا يخضع لقانون، ولا يسلّم لنظام، ويعيش كما يريد، كأنه قد ملك الكون وما فيه، وهذا وهْمٌ يقود صاحبه إلى الحضيض.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية