نحتاج الى عيادة نفسية

الكاتب : نبيل فليفل

كنت في زيارة عمل الى ايطاليا وحين وصلت الى ميلانو انتظرت في صبيحة اليوم التالي مضيفي ليأتي ويقلني من الفندق الى مكتبه في الشركة لنبدأ معا مناقشة خطة التعاون بيننا، وكان موعدنا الساعة التاسعة صباحا ولكن الساعة تعدت العاشرة ولم ياتي وما هي الا دقائق ليطل مقتحما بوابة الفندق مسرعا نحوي وبادرني بوابل من كلمات الاسف والاعتذار حتى انني خجلت من هذا الموقف الاخلاقي والحضاري، في حين اننا تعودنا في مجتمعنا ان نخلف في الموعد ساعات بدون ان يرمش لنا طرف.

وفي غمرة اعتذاره صرح لي انه كان لزاما عليه ان يذهب الى (الطبيب النفساني ) حيث انه شعر ان صوته يعلو في البيت على غير العادة، والشىء بالشىء يذكر انه حينها تذكرت احد الاشخاص في مجتمعي عندما كان يتكلم يعلو بصوته الاجش الذي يطحن الكلام طحنا يتكلم كان في حلقه مزمار وكل ما تتمناه حينها ان ( يعيرنا سكوته ) ولو كان لسانه يقطر عسلا وكلامه دررا.

لم يخجل مضيفي ان يذكر لي انه ذهب الى طبيب نفسي لانه يعتبرها ظاهرة صحية في مجتمعه , مع اننا في مجتمعاتنا العربية نعتبرها ضربا من الجنون , وان الذي يراجع طبيبا نفسيا انسان غير طبيعي و مختل عقليا ومكانه مستشفى المجانين , ونحن احوج ما نكون الى عيادة نفسية حيث نعيش مسلسلا يوميا من القهر والعذاب والغضب والذي ينعكس سلبا على المجتمع واسقاطه بصورة حوادث انتقام وجرائم وادمان على الممنوعات للهروب من واقع بغيض , هذا مع أن المجتمعات المتحضرة تجد في زيارة الطبيب النفسي خطوة ضرورية للحفاظ على كامل صحة الجسد لارتباط النفسي بالجسدي بشكل وثيق، وتجد في كل مدرسة ومؤسسة وحتى في السجون يعتمدون أخصائيين نفسانيين للمساعدة في مراحل الاصابة بالاحباط واليأس وما اكثرها في مجتمعاتنا، لقد أصبح المجتمع بكل تحولاته صعباً جداًّ، الأمر الذي استدعى أن تطفو الكثير من الأمراض النفسية التي قد لا نكتشفها بداخلنا، تمضي بنا الأيام ونكبر دون أن نعلم بأن «عُقداً» متضخمة بدواخلنا كبرت معنا لنحتاج إلى من يفكك تلك العقد.

ان فوبيا العلاج النفساني تنفرنا من عيادته ونظرة المجتمع السلبية لهذه الظاهرة تجعلنا في حيرة من امرنا ونحن نعاني من الكوابيس الليلية والتمارض الجسدي الوهمي والخوف من المجهول والشك في كل الاشياء والسادية التي تتملكنا وتعكس عواطفنا وشعورنا تجاه الالام المحدقة بمن حولنا، وهذا لا يعني اننا كلنا مرضى نفسيون ولكننا في مرحلة معينة من حياتنا وتحت ضغوط معينة قد نصبح في حاجة لمن يساعدنا ويطمئننا على سلامة اجسادنا وعقولنا من افكار سيئة عشعشت في عقولنا وارقت مضاجعنا ويعيد لنا ثقتنا في انفسنا حتى لا يحدث لنا ما لا يحمد عقباه وخير دليل على اضطراب النفوس والحيرة في الامر واختلاط الاحلام مع الواقع حالات الانتحار التي نسمع عنها كل يوم فلا غضاضة من سبر أغوار النفس لنخلصها من الشرور.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية