فرصة الحكومة الأخيرة

الكاتب : ابراهيم عبدالمجيد القيسي

تنبت الأفكار الشيطانية المريضة دوما على ضفاف السلطة مستغلة ظروف تقلبات أدائها، ولا يمكننا نسبتها الى السلطة بأي شكل، فالمعروف أن ذوي الأجندات والحسابات الجهوية وغيرهم، ينتهزون كل فرصة تمنحهم مكتسبات جديدة، ولا يمكنني أن أستوعب فكرة يروجها بعضهم بأن هذه الحكومة هي آخر الحكومات التي يمكنها تقديم حلول نهائية على طريق التغيير والإصلاح، وأي كلام منسوب إليها باعتبارها تروج بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة»، هو كلام فيه افتئات على الحكومة ورئيسها وعلى التاريخ الأردني كله، كما هو بالنسبة لجهود جنوده، الذين قضوا في سبيل الله والوطن، وافتئات بالطبع على جهود الآخرين الذين ما زالوا يدفعون من دمهم ثمن بقاء ورخاء هذه البلاد..

حكومة الرزاز ومنذ يومها الأول قدمت أملا جديدا مفيدا، أصبحنا معه نتحدث عن فرص كبرى للعدالة بين المواطنين، وهذا أمر لا أحد ينكره، وهو حتمية تقتضيها طبيعة الظروف التي تمر بها البلاد، حتى وإن كانت حكومة عسكرية تلك التي تسلمت السلطة بعد استقالة حكومة، تحت وطأة مطالبات شعبية ساخنة، فالطبيعي أن يستبشر الناس خيرا بالقادم الجديد، لكننا منطقيون، ونعلم تماما بأن لا حلول سحرية لمشاكل وأزمات متراكمة، أو ناجمة عن أحداث ومواقف خارجية، ومن هنا يمكننا أن نلحظ ديناميكية وعقلانية في أداء الحكومة، تحسب لها، رغم أنها ومنذ يومها الأول تقع تحت ضغط كبير، ولا أستثني من عوامله هذا التسلق والتملق الذي تمارسه بعض الجهات ذات الأجندات الاقصائية، التي ترى في نفسها بديلا سياسيا سحريا، يقدم حلولا لكل شيء، على طريقة تحقيق أحلام النائمين، الذين تأتيهم الأرزاق والحوافز بقدرة قادر، ينهضون من نومهم فإذا بكل شيء تحقق وتغير !.

الفرصة الأخيرة لتتجاوز الحكومة هذه الضغوطات التي لا تنتهي، تأتيها من التعامل العقلاني مع ما تعتبره ويعتبره كثيرون استحقاقا ظرفيا جديدا، يتمثل بإجراء تعديل «قسري» على الحكومة، وهو التعديل الثاني، حيث كان التعديل الأول استعراضا وفائضا عن الحاجة، وكان فرصة استخدمتها الحكومة في غير أوانها، واليوم وبعد أقل من شهر على التعديل الأول، نعيش حالة مماثلة من التفاعل، نجمت عن استقالة وزيرين في الحكومة، علما أنني غير مقتنع بمثل هذه الاستقالات المرتبطة بفاجعة البحر الميت، فهي جاءت تحت ضغط رأي عام تعرض للتضليل، حركته بعض الجهات التي تروج بأنها البديل «لكل شيء»، وبما أن الاستقالات حدثت، فإن فرصة الحكومة الأخيرة النادرة تأتي مرة ثانية، لتجري تعديلا مدروسا على الحكومة، بتنسيق وتشاور كامل مع مجلس النواب والجهات النخبوية التي يسعى كثيرون لإقصائها عن المشهد..

ويمكن لمجلس النواب أن يشرع في مناقشة قانون الضريبة والتصويت عليه، أولا، ثم يأتي استحقاق التعديل المنطقي، لعل الحكومة تزيد من فرص بقائها في الدوار الرابع بعد اقرار قانوني الضريبة والموازنة العامة، مستفيدة من الدروس التي تعلمتها من خلال الأحداث الكثيرة التي عاايشتها في الأشهر الأربعة الماضية.

لسنا مع عدم استقرار الحكومات والوزارات وسائر المؤسسات، فهي حالة غير صحية، تؤثر على الدول القوية المنتجة، فكيف ستفعل بالدول التي تعاني كل هذه الأزمات، وإنه من المفيد تذكير الناس بأن استقرار الحكومات، بعدم تغييرها أو التعديل عليها انصياعا لرغبات المستوزرين أو الحالمين، يجنبنا كثيرا من المشاكل والأزمات المفتعلة، التي نجحت كثيرا في تغيير الحكومات، فغابت الرقابات والتشريعات، وضاعت المساءلة، وما استقالة الوزيرين الجديدة الا مثال على عدم استقرار هذه الوزارات ومجيء أشخاص لإدارتها، لم يلبثوا طويلا فغادروها، قبل أن يلموا بتشريعاتها وإجراءاتها، وهي حالة تتكرر في مشهدنا السياسي كثيرا، فالوزير يجب أن يستمر في عمله 4 سنوات على الأقل، وفي حال سقوطه في خطأ واضح يصبح تغييره منطقيا، لكنه يكون ضحية أخطاء غيره أو حداثة عهده وعدم احاطته بشؤون وزارته، وسوف نعيش أحداثا جديدة جدا على خلفية «خطاب الأخلاقيات» الجديد، الذي يطالب الوزراء والمسؤولين باستقالات عن أخطاء وفوضى لا علاقة لهم بها..

يجب أن تنتهز الحكومة فرصتها السياسية الجديدة، وتتعامل مع التعديل القسري بطريقة أكثر انتاجية وفائدة، فإن استمرت تحت هذا الضغط فسوف تضيع فرصتها، وهي فرصة الحكومة الأخيرة، وليست حكومة الفرصة الأخيرة كما يشاع.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية