الباشا الرقاد يكتب: ما الذي حدا بالملك إلى طرق موضوع منصات التواصل الاجتماعي بشكل مباشر

مدار الساعة - بقلم: اللـــــواء الركن (م) د . محمد خلف الرقاد

إن قراءة متعمقة لما أفضى به جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين قبل يومين من أفكار هائلة خلال مقاله الذي انتشر على كافة أشكال الاتصال الجماهيري الأردنية وغير الأردنية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي في الشبكة العنكبوتية ، لا بد وأن تخرج بنتائج تعكس عدة أمور ، ملخصها من وجهة نظر الكاتب فيما يأتي:

أولاً : تمثل هذه الأفكار تجسيداً حقيقياً لعمق الإدراك السياسي للقائد الذي يشكل الإعلام أحد مرتكزاته الاستراتيجية.

ثانياً : انعكاس معتقدات القيادة السياسية على فكرها السياسي، وهنا يتضح النسق العقيدي لجلالة الملك – النابع من نشأته وترعرعه في أحضان المدرسة الهاشمية، ومن الالتزام الهاشمي – حيث تشكل هذه المعتقدات السياسية تجاه الأردن والمواطن الأردني الأولوية الأولى في ذهن ومعتقد جلالته السياسي والاجتماعي، وهو معتقد راسخ يستند إلى الفكر السياسي الهاشمي على مدى ما يقارب القرن، وعبر العهود الهاشمية المتواترة منذ تأسيس الدولة الأردنية ولغاية وقتنا الحاضر.

ثالثاً : يحمل مقال جلالة الملك عبدالله في طياته فكراً استراتيجياً متميزاً على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية والتقنية، بحيث يتساوق هذا الفكر مع روح العصر ويتناغم ويتلاءم مع ثورة الاتصالات المتسارعة والمتلاحقة، الأمر الذي يُبقي الوطن والمواطن في مواكبةٍ ومجاراةٍ حثيثة لركب الحضارة المتقدم ، رغم الأحوال والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

رابعاً : يقرأ الكاتب في مقال جلالة الملك استراتيجية متماسكة للتعامل مع شكل مهم وخطير من أشكال الاتصال المستند إلى ثورة التقنيات الحديثة، فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي على درجة عالية من الأهمية في عالم الاتصال الجماهيري، حيث باتت هذه المنصات تشكل العنصر الأهم في بناء اتجاهات الرأي العام، وفي تحويل هذه الاتجاهات إلى سلوكيات لها بُعدان، الأول إيجابي يبني الحضارة، وينقل المجتمعات إلى مصاف الرقي والتقدم ، والآخر سلبي يساعد على هدم ما بنته وأنجزته الحضارات والأمم، وذلك وفق أجندات مرسومة ومخططة بشكل متماسك ومدروس ، ربما تأخذ المجتمعات - في أحيان كثيرة – إلى شفير الهاوية.

والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي حدا بجلالة الملك أن يطرق هذا الموضوع بشكل مباشر، وبالرغم من أهمية الموضوع، فهل من مسؤولية جلالته أن يباشر هذا الموضوع بنفسه مع أن لديه الكثير ما يشغله في مجال السياستين الداخلية والخارجية والاقتصاد والأوضاع الدولية والظروف السياسية والعسكرية في الإقليم ... والجواب من وجهة نظر الكاتب أن ما دفع جلالة الملك لتناول هذا الموضوع أمران على غاية من الأهميّة، هما : الأول النسق العقيدي الذي أشرنا إليه آنفاً ومعتقدات جلالة الملك الحريص على الأردن كدولة وعلى المواطنين (أفراد وجماعات)، والأمر الثاني هو غياب التخطيط الاستراتيجي من مؤسسات الدولة المعنية والمختصة ، خاصة وأن جلالته قد وجّه وأشار في أكثر من موضع في الأوراق النقاشية التي طرحها إلى ضرورة التعامل مع وسائل الاتصال الجماهيري باستراتيجيات إعلامية تعزز البناء وتعظم الإنجاز، وبأن يكون الإعلام إعلام دولة لا إعلام حكومة، فالدولة باقية بإرضها ومجتمعها وبسلطاتها، والنظام السياسي مستمر بهياكله المختلفة ... والحكومات راحلة ومتبدلة، وهنا تبدو الضرورة لرسم استراتيجيات وخطط لا ترحل برحيل الحكومات ولا تتبدل بتبدلها، وأن تكون لها صفة الاستمرارية لخدمة الأهداف العليا للقيادة السياسية التي تصب في استمرارية النظام السياسي في البلاد.

وسيحاول هذا المقال أن يسبر غور ماتفضل به جلالة الملك – مع الإقرار بأنه لن يدركه جلّه - ، وأن يجتهد في الوصول إلى صياغة وسائل أساسية لاستراتيجية إعلامية توضح التعامل مع منصات التواصل الاجتماعي ، وبعد ذلك يتم التخطيط الإعلامي للأساليب والآليات للتنفيذ ، وتوظيفها باتجاه خدمة المصالح العليا للدولة الأردنية ، فالقراءة المتأنية للأفكار التي وردت في مقال صاحب الجلالة تؤشر لنا ، لا بل تقودنا إلى تلمس أهم المرتكزات التي يمكن أن تستند إليها استراتيجية تقدم معالجات متوازنة للتعامل مع هذه المنصات الإلكترونية المهمة، ومن هذه المرتكزات:

01 تعزيز البعد الديمقراطي في العملية الإعلامية الأردنية من خلال الحفاظ على حرية التعبير وصيانته بمقتضى الدستور والقانون مقروناً بتوازن في الحفاظ على المصلحة العليا للدولة والتي تقضي بتجنب الفتن وتثبيت أركان الأمن والاستقرار في البلاد .

02 تعزيز الوعي الثقافي والسياسي وتوضيح خطورة هذه المنصات الإلكترونية ، وبخاصة لدى " المواطنين الإعلاميين " والمقصود هنا حضرات المواطنين المهتمين بمواقع التواصل الاجتماعي والتي أتاحت لهم هوامش واسعة للنهوض بدور إعلامي إلى جانب الأخوة الإعلاميين المهنيين ، وتوجيه بوصلة المواطن الإعلامي نحو خير الوطن والمواطن ، فالنقد البنّاء مطلب حق وممارسة إعلامية إيجابية ، أما الهجوم من غير وجه حق على مسؤول ، أو الاستياء من موقف دون تيقن من الدليل ، والشماتة والسخرية لا تزيد الطين إلا بِلّة ، ولا الفتنة إلا اشتعالاً.

03 التزام قيمي وأخلاقي ومهني إعلامي من قبل الأخوة الإعلاميين بتحمل مسؤولياتهم في عمليات إعلامية تستند إلى نظرية المسؤولية الاجتماعية ، فيصبح الإعلامي لا رقيب ولا سلطان عليه سوى الحقيقة وضميره ومصلحة وطنه العليا .

04 إصلاحات تشريعية وسياسية تحفظ حرية التعبير ، وتوفر المعلومة لطالبيها ، وتتيح التعامل بشفافية من قبل المصدر الرسمي في تقديم المعلومة ، حتى لا تبقى العملية الإعلامية الحقيقية في مهب الريح ، وتفقد مصداقيتها، وحتى لا تضحي مرتعاً للإشاعات والتقولات والتخرصات.

05 مواجهة الإشاعة بالحقيقة لقطع الطريق على أصحاب الأجندات الخاصة ، وحسب اعتقادي أن كل شيء في الأردن مسخر لخدمة الوطن والمواطن ، ولا غير ذلك ، فليس لدينا شيء نخفيه ، وأن تكون هناك جرأة كجرأة أفكار جلالة الملك في وضع النقاط على الحروف ، ومحاربة الظلم والتجني ، ومحاسبة التقصير في نشر الحقيقة ، فالإشاعة فتنة , ودوماً تتصف بالغموض الذي يضفي المزيد على أهميتها ويزيد من الجنوح إلى تداولها وتصديقها دون التأكد من مصدرها وتحليلها ومعرفة هدفها ، فكل واحد من البشر وهبه الله عقلاً ، فليصبر قليلاً ، ويحاكم هذه الإشاعة بعقلانية ، فلا يطلقها إلا بعد تمحيص ، ذلك لأن نشر الإشاعة ، وسرعة تداولها بين الناس تحد من فاعلية نشر الحقائق التي قد تنتقل بسرعة أقل وأبطأ من الإشاعة.

06 نهوض وسائل الإعلام الوطنية ( الرسمية وغير الرسمية ) بواجباتها على أكمل وجه ، والوصول بأسرع ما يمكن إلى الجمهور المستهدف ، وعدم الاكتفاء بالتعامل من خلف الميكروفون في الاستديوهات المرئية والمسموعة وغيرها، والانتقال بالفعل الإعلامي إلى الميدان لنقل الحقيقة.

07 توظيف كل أشكال الاتصال الشخصي والمقرؤ والمرئي والمسموع والإعلام الإلكتروني من خلال حملات إعلامية منظمة لإرساء أسس ومفاهيم ثقافية ومجتمعية وإعلامية توازن بين حرية التعبير وأولويات الأمن والاستقرار والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في ظل محيط إقليمي ما يزال يحترق ، وفي ظل مفاهيم عولمية تلقي بظلالها على أشكال الدول القومية والنظم السياسية على مستوى العالم والإقليم ، وفي ظل تعالي طروحات تنادي بإطر وتقسيمات سياسية تنذر بإطار دولي جديد وبخاصة في منطقتنا العربية كمشاريع مثل الشرق الأوسط الجديد أو الكبير.

08 خطاب سياسي وإعلامي واضح وصريح يستند إلى القيم والتراث والتاريخ والإنجاز، فالأردن دولة على مشارف المئوية لتأسيسها ، لها شرعيتها ومشروعيتها وشخصيتها الوطنية وقيمها وتراثها وتاريخها وإنجازاتها ، وصبغ كل ذلك بصبغة أردنية تعكس الصورة الحقيقية لقيم وأخلاق وسلوكيات المجتمع الأردني ، وحتى يتم قطع الطريق على كل الأجندات الخاصة التي تبعث على السلبية ، وتثير الشعور بالاحباط.

09 وضع استراتيجية حقيقية قابلة للتطبيق والتنفيذ لتأهيل جيل إعلامي مؤهل واثق بنفسه ومنتم لوطنه وأمته ، وعلى قدر عالٍ من الاحتراف الإعلامي ، من خلال معايير حقيقية لاختيار الإعلاميين ، بمعنى إعداد الصف الثاني من الإعلاميين وتأهيلهم وصولاً لإيصالهم إلى الصف الأول ، بعيداً عن الشللية والمحسوبية ووضع العراقيل في طريق الساعين للنجاح ، مع تحسين الأوضاع المالية للإعلاميين ومكافأة المبدعين.

010 تسخير التقنيات الحديثة بكل أشكالها لخدمة قضايا الأردن الوطنية والإنسانية - مع الأخذ بالاعتبار الساحة الإقليمية والدولية - وتركيب رسائل إعلامية واضحة يقوم على إعدادها وصياغتها إعلاميون مؤهلون من ذوي التعليم والخبرات الإعلامية والسياسية ، وممن لديهم حس وإدراك عميق لكافة الأبعاد السياسية والاقتصادية والوطنية التي تدفع بالأردن إلى مصاف الرقي والتقدم ، ولديهم القدرة على تلافي حدوث ثغرات تنفذ من خلالها الأجندة الخاصة التي لا تسند المصالح العليا للدولة الأردنية ، وذلك بعيداً عن التنفيعات والمحسوبيات وغيرها.

011 التوجيه نحو تفعيل حياة ثقافية تستغل المسرح والدراما والمحاضرات والندوات والمعارض بأشكالها لسد الطريق أمام المشككين بالمستوى المتطور الذي وصل إليه الأردن على الصعد كافة والبحث عن خطط برامجية في المرئي والمسموع ، وتسليط الأضواء على الإنجازات الأردنية ، فالأردن الذي كان تعداد سكانه - قبل ما يقارب القرن من الزمان – لايتجاوز الربع مليون نسمة ، أصبح حسب إحصائيات عام 2017 أقرب إلى (10) ملايين نسمة، والأردن الذي كان فيه قبل حوالي مائة عام مدرسة واحدة يتيمة في مدينة السلط ، تجاوز عدد المدارس فيه حتى العام الحالي (6961) مدرسة شاملاً مدارس الوزارة ووكالة الغوث والدارس الخاصة ..... وعلى ذلك قس ... أليس هذا إنجازاً جديراً بالفخر والاعتزاز.

وختاماً فإن أحاديث وتواصل ومواقف جلالة سيد البلاد دوماً ترفع معنويات الأردنيين وتزيدهم ثقة بنظامهم السياسي ، وتبعث في نفوسهم الأمل ، وتعزز طمأنيتهم على أنفسهم وعلى دولتهم ووطنهم.

 

 

التعليقات

صالح الرقاد ابو يزن -

01/11/2018 - PM 08:11 | ( 1 )
ابدعت دكتور باشا قلمك لا يخط الا بالجميل سلمت يمناك دكتور

خالد مقدادي -

02/11/2018 - PM 10:11 | ( 2 )
لا فض فوك تحياتي لك

سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية