قلبٌ كالمعلب

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

التقيت بصديق قديم بعد طول غياب، وبعدما سألته عن أحواله بدأ يتنهّد ويقول: عندما كنت في سن 15 عرفت الحب لأول مرة، ومن أول نظرة، وكنت أحب حينها أن أسمع عبد الحليم حافظ وهو يغني: (أوّل مرة تحب يا قلبي..) كان شعورا عظيما، ولا يمكن للإنسان أن ينسى حبه الأول. كانت بنت الجيران التي تكبرني بـ8 سنوات تشرب قهوة الصباح من شرفة منزلها، ولم يدر بيني وبينها أي كلام، وكنت أكتفي بسرقة بعض النظرات، ولا أظنها وقتها التفت إلي، أو أنني تركت في نفسها أثرا يُذكر، لكنني كلما رأيتها كان قلبي يسارع في الخفقان، واعتبرته الحبّ الأول، ولكنها غادرت مع أهلها إلى الولايات المتحدة، وطار قلبي معها.

و عندما وصلت إلى الثانوية العامة، أحببت جارة أخرى، وكانت في مثل عمري، وكنا نتبادل المذكرات والملاحظات، والدفاتر، والأسئلة المتوقعة، وكنت أترك لها ملاحظة تعبر عن حبي لها، لكن بشكل غير مباشر، كبيت شعر غزلي، أو حكمة أو مثل أو عنوان أغنية، مثل: أنساك دا كلام، بتلوموني ليه...وهكذا. ولم تكن هذه الجارة تتفاعل معي، ربما لحيائها أو لخوفها من ردة فعل أهلها، ونجحتُ في الثانوية العامة، وقبلتُ في كلية الهندسة بالجامعة الأردنية، وسكنتُ بعيدا عن قريتنا، وكانت نهاية حبي الثاني.

وفي سنتي الأولى في الجامعة أحببتُ فتاة ثالثة، كانت من أهل العاصمة عمان، وتختلف شكلا ومضمونا عن الفتيات اللاتي عرفتهنّ من قبل، كنتُ أحبها عن بُعد، وأحاول أن أرسم وجهها على الكراسات والدفاتر، ولم أحاول الاقتراب منها، ربما خجلا أو خوفا، وظلّ الأمر كذلك إلى أن سمعت الطالبات يباركن لها بمناسبة خِطبتها.

وفي السنة الثانية أحببت الرابعة، وكانت من منطقة خارج العاصمة، وصرت أكتب الأشعار في حبها، وطلب ودّها، ولكنني كنت أحتفظ بهذه الأشعار لنفسي، إلى أن حصلت على شحنة من الجرأة من بعض الزملاء، كي أعرض عليها ما كتبت فيها، ولما طلبت منها أن تعطيني رأيها في شعري أجابت: هل تراني شاعرة، أنا لا أفهم الشعر ولا أحبه، ومن أجل هذا توجهت للفرع العلمي، ودرست الهندسة، وكانت كلماتها كرصاصة الرحمة على حبي لها.

أما السنة الثالثة، فقد أمضيتها حزينا على أربعة فتيات لم يكتمل حبي لهنّ، حيث مات في مهده، وعشتُ مرارة تجاربي الفاشلة.

وفي سنتي الرابعة والخامسة، انتقيت بعقلي لا بقلبي فتاة قررت أن تكون هي شريكة عمري، وفاتحتُها بالأمر، ورحّبَتْ، وأمضينا عامين نخطط لمستقبلنا ومستقبل أولادنا، وكيف سنعمل، وكيف سنرعى الأولاد، ..الخ. وبعد تخرجنا تقدم لها مهندس يعمل في كندا، ووافق أهلها عليه، وانقطع الاتصال بيننا. عندها توجهت لقريتنا لأخطب الفتاة الأولى، ولما سألتُ عنها، وإذا بها قد تزوجت وأنجبت طفلها الأول.

ما هذا النحس الذي يلازمني، إنه نحسٌ لا حلّ له، أو عينٌ أصابتني، أو عَملٌ عُملَ لي وألقيَ في أعماق البحار، هل يُعقل أنني كلما أحببت بقلبي أو بعقلي فرّت محبوبتي من بين يديّ؟

هنا تدخّلتُ مقاطعا: ما شاء الله، ما عدتُ أقدر على العدّ، فكيف تزوجت يا سيد روميو، عفوا يا سيد كازانوفا ؟

قال: أخذتني أمي إلى بيت خالتي، وخطبنا ابنتها الكبرى، وهكذا تزوجت بنت خالتي، وأنجبنا الأولاد، تزوجتُ دون حب بالقلب أو تخطيط بالعقل، تزوجت كما يتزوج أغلب الناس، بشكل تقليدي جدا. لكن ما حكايتك أنت، وكيف كان قلبك؟

فأجبت مبتسما: أنا قصة أخرى، ربما تسمعها في قادم الأيام.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية