لماذا تحملون المسؤولية لثقافتنا الاجتماعية؟

الكاتب : د. هايل ودعان الدعجة

طالب احدهم او بعضهم رئيس وزراء اردني اسبق ، بضرورة اتخاذ اجراءات معينة بهدف تغيير تقليد او بعض التقاليد والانماط الاجتماعية السائدة في حقبة زمنية ماضية ، والتي تخص المكون العشائري تحديدا ، الضاربة جذوره في تاريخ الدولة الاردنية. لتأتي اجابة الرئيس .. دع ذلك واتركه للايام فانها كفيلة باحداث هذا التغيير، مراعيا بذلك الثقافة الاجتماعية والخصوصية الاردنية في تعامله مع احد اهم العناصر والمكونات المجتمعية . ومراهنا في الوقت نفسه على امكانية وقابلية حدوث ذلك على التطور والتغيير الذي سيطرأ في هذا المجال مع عامل الزمن، وذلك بغض النظر عن مدى او درجة ذلك او الفترة الزمنية التي يستغرقها . بدليل تغيير العديد من المظاهر والتقاليد المجتمعية ، وربما انقراض بعضها . ما يؤكد مواكبة هذه الثقافة للتطورات والمستجدات العصرية والحديثة في كافة المجالات الحياتية، وان كان ذلك يتم بشكل بطيء لتقبل الوافد الجديد على المنظومة المجتمعية، والا كان سيواجه مقاومة شديدة فيما لو كانت حركته سريعة او راديكالية ، تستهدف الانقلاب على اي من هذه العناصر او المكونات التي تنطوي على خصوصية ثقافية او اجتماعية اردنية . ولنا في امتلاك الاردن للادوات العصرية والاساليب الحديثة التي ساهمت في تحقيقه للعديد من الانجازات والنجاحات الحضارية والعلمية والفنية والتقنية والتعليمية والصحية والادارية والاقتصادية المختلفة وسط بيئة امنة مستقرة ، بصورة قادته الى ان يحتل مكانة متقدمة في المنطقة، وتجعل منه نموذجا يحتذى في التطور والتقدم ، مثالا يؤشر الى التفاعل المجتمعي الايجابي واندماج كافة العناصر الاجتماعية تدريجيا مع حركة التطور والتغيير التي فرضت نفسها على المشهد الوطني في حقبة السبعينات والثمانينات على سبيل المثال . رافق ذلك وجود ما يسمى بالضوابط والمعايير القيمية والاخلاقية التي كان يحرص الجميع، خاصة من كانوا في مواقع المسؤولية، على احترامها وعدم تجاوزها او الاعتداء عليها ، متخذين منها مرجعية وطنية واداة رقابية ذاتية على تصرفاتهم وممارساتهم الوظيفية . فاذا بنا امام نماذج وطنية في التعاطي المسؤول مع العمل العام ، بعيدا عن الشخصنة واستغلال المنصب او الوظيفة لتحقيق منافع ومكاسب خاصة على حساب مصالح الوطن. وهي النماذج التي نفتقر لمثلها في هذه الايام، الا ما ندر.

عندما اخذ القطاع العام يشهد جنوحا خطيرا عن المسار الصحيح في ظل حالة الانفلات الاخلاقي والقيمي ، التي ضربت الكثير من مؤسسات الدولة ، لتجعل من الفساد المسؤول الاول والاخير عن الاوضاع الاقتصادية والمالية والمعيشية الصعبة التي يعاني منها المواطن الاردني . في تأكيد على اننا نعاني ازمة سلوكية وتربوية واخلاقية ، انعكست سلبيا على تعاطينا مع الوظيفة الرسمية في مختلف المواقع والمناصب والدرجات . وان من يحاول الالتفاف على هذه الحقيقة ، ممثلة بهذه البيئة السلبية المسؤولة مباشرة عن المشاكل والصعوبات التي يعاني منها مجتمعنا ، عبر تحميل هذه المسؤولية الى موروثنا وثقافتنا الاجتماعية ، ومحاولته العبث ببعض مكونات منظومتنا المجتمعية وثوابتنا الوطنية بحجة التغيير ، فان عليه التوقف عن ذلك ، ولينظر الى اين ذهب بعض حملة لواء التغيير ( غير البريء ) بالوطن ، والى اين قادوه بعد ان تجردوا من الضوابط والاخلاق الوطنية ، المستمدة من بيئتنا العروبية والدينية والتاريخية ، التي يحاولون الان الانقلاب عليها . مع انهم احوج ما يكون اليها ، علها تستر عوراتهم الوظيفية ، التي انكشفت وجعلت الجميع يطالب بملاحقتهم والقصاص منهم انتصارا وانتقاما وانقاذا للوطن من تداعيات فسادهم على منظومتنا الامنية والاقتصادية . وان على كل من يحاول ممارسة لعبة الالتفاف على الواقع ، التوقف ايضا عند محطة الانجازات والمكتسبات الوطنية، التي خلدت اسم الاردن في سجل النجاحات الحضارية ، لمعرفة الى اي الفترات الزمنية والتاريخية تنتمي هذه الايجابيات . ويقارن ذلك مع الانحدار الحاد الذي يشهده مسارنا التنموي والاقتصادي، عندما تحولت المناصب الهامة في الدولة الاردنية الى ساحة مستباحة من قبل الدخلاء على منظومتنا القيمية والاخلاقية ، واخذوا يعيثوا فيها الفساد ، ومن بوابة الواسطة والمحسوبية والشللية تحديدا، وعلى حساب الكفاءات واصحاب الاختصاصات والمؤهلات العلمية والعملية . وبما يشبه الاصرار على البقاء في دائرة التعيينات الضيقة في مواقع المسؤولية، لنختزل الوطن .. كل الوطن بكفاءاته ورجالاته واصحاب الاختصاصات المتعددة فيه ، في هذه الدائرة الضيقة المسؤولة عن تراجع الاداء العام والادارة العامة ، بوصفها احدى اهم الثغرات والعيوب في جدار الوطن، التي ينفذ منها الفساد ليضرب في شتى مفاصل الدولة الاردنية.

تعالوا وقارنوا بين رجالات وقيادات الوطن الادارية بالامس ، ممن حظوا بشرف تحمل امانة المسؤولية في ادارة شؤون الدولة عبر المناصب التي تقلدوها ، مستندين في ذلك الى مرجعية قيمية وتربوية وسلوكية وطنية ، وبين بعض القيادات الادارية اليوم ، التي قادتها الواسطة والمحسوبية الى مواقع المسؤولية ، لتعيث بالمنصب العام فسادا، وتزيد من ازمات الوطن ومشاكله ، بعد ان تجردت من اي مرجعية اخلاقية وتربوية .. فتعاملت مع المنصب على انه فرصة ، قد لا تتكرر ، ويجب استغلالها وتوظيفها فر خدمة مصالحها الخاصة.

فهل ما زلنا نصر على تحميل مسؤولية الاخفاق والفشل في قيادة مسيرتنا التنموية والاقتصادية الى بر الامان الى موروثنا التاريخي والثقافي والاجتماعي ، حتى ونحن نزج بالدخلاء على هذا الموروث الى ساحة العمل العام ؟ . ولماذا لا نحترم الخصوصية الاردنية التي يعود لها الفضل في تعزيز الامن والاستقرار في بلدنا ، وتجاوز الكثير من التحديات والظروف الصعبة التي واجهته عبر مسيرته الطويلة؟


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية