بكفي

الكاتب : بلال حسن التل

كنت قد تناولت في مقال سابق ظاهرة التطاول التي تجتاح بلدنا، وهو التطاول الذي ضاق به ذرعاً جلالة الملك عبدالله الثاني، فقال أثناء لقائه مع مجموعة من الإعلاميين (بكفي يعني بكفي). وعندما يضيق ملك هاشم ذرعاً من ممارسة "ما" يكون السيل قد بلغ الزبى، فقد عُرف عن ملوك بني هاشم سعة الصدر، والقدرة الفائقة على الصبر، لذلك عندما يضيق جلالة الملك ذرعاً بظاهرة التطاول يكون الأمر قد بلغ منتهاه فقد طال التطاول كل شيء في بلدنا، وأول ذلك المعلم في مدرسته، ورئيس الجامعة في محراب علمه، بعد أن كانت المدرسة والجامعة محل احترام الأردنيين وتبجيلهم، وعندما يتم الاعتداء على حرماتهما فإن ذلك يعني أن كل الحرمات صارت مباحة، وهو ما لا يرضى به أردني، فما بالك بجلالة الملك حامي الحرمات وفي مقدمتها حرمة القانون وسيادته.

وعند سيادة القانون أحب أن أتوقف لأشير إلى سبب من أسباب انتشار ظاهرة التطاول عند شرائح متزايدة من الأردنيين، فقد صار هؤلاء يرون أنفسهم فوق القانون، وأن من حقهم أن يعتدوا على المدرسة والجامعة والمستشفى والبلدية، بل على كل مؤسسة عامة وموظف عام، كما رأينا في واقعة طرد مديرة تربية وتعليم من مكتبها، وصار من حقهم كما يظنون قطع الطرق بالإطارت المشتعلة، كلما نقل موظف من وظيفته، أو صدر قرار لم يعجب واحداً منهم، وقد فات هؤلاء جميعاً أن سيادة القانون ونفاذه من خلال مؤسسسات الدولة، هو أرقى صيغة وصلت إليها البشرية لتنظيم العلاقة بين الناس، وبخلاف ذلك تسود الفوضى ويأكل القوي الضعيف، وتبغى الأكثرية على الأقلية، أي أن شريعة الغاب والمجتمعات الهمجية هي التي تسود، وهو ما لا يرضاه صاحب عقل، فكيف يقبل به أردني يعلم أن من أهم مكونات رأسماله الوطني، بل وجوده هو نعمة الأمن والأمان، التي طالما تغنينا بها وتفاخرنا، قبل أن تظلنا أيام صار فيها بعض المحسوبين على بلدنا هم الذين يسعون إلى هز أمننا وأماننا، بصور غاية في الخطورة، فمن يعتدي على شرطي في وضح النهار يشجع اللص على ممارسة السرقة تحت ضوء الشمس، ولا يتردد في تهديد حارس بنك أو شرطي أثناء عمله ما يعني أن حرمات كل بيوتنا تصير مباحة.

زمن صار فيه بيننا من يتسبب بموت طفل بذريعة أن سيارة أسرته تجاوزت فاردة عرس، مما يشجع آخرين على القتل جهاراً نهاراً لأسباب تقل تفاهة عن تجاوز فاردة عروس، وصار بيننا من يرون أن من حقهم إغلاق الطرقات أمام سائر المواطنين، وصار بيننا من يرون يعتدي على معلم مدرسة لأنه عاقب ابنه المقصر في واجباته المدرسية أو لتنمره على سائر زملائه، ليشجع ابنه على ممارسة جرائم خطرة صار يعج بها مجتمعنا، والتي لم نكن نعرفها قبل أن تصبح بيننا شرائح ترى نفسها فوق القانون، وأن من حقها أن تمارس العنف بكل أشكاله المادية والمعنوية على غيرها من شركاء الوطن، مما دفع قائد الوطن إلى إطلاق تحذيره الحازم (بكفي) وصار علينا كمواطنين وكمؤسسات مجتمع مدني أن نتصدى لكل مظاهر التطاول، وأن نكون في ذلك سنداً لمؤسساتنا الرسمية المكلفة بتطبيق القانون ، خاصة الأمنية منها، لنقول جميعا لمن يرى نفسه فوق القانون (بكفي) توقف فالقانون فوق الجميع، وبذلك نستجيب عمليا للنطق الملكي السامي. الرأي


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية