كتاب غيّر حياتي

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

في عام 2003م كنت أعاني من حالة اكتئاب شديدة لأسباب عديدة، من أهمها احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية. وفي يوم بينما أسير في ساحة المسجد وإذ بغطاء المنهل ينقلب تحت قدمي وأنزلق في داخله، ولأنني سمين جدا جدا علقت على باب المنهل ولم أسقط في قاعه العميق، وكان للسمنة فوائدها وإن أفتاك الأطباء، فلله الحمد أنني لم ألتق بملك الموت في ذلك اليوم؛ لأنه سيكون غرقا في مياه المجاري أو الصرف الصحي، والعياذ بالله؛ وهي ميتة مش ولا بدّ.
نتج عن هذا الحادث الأليم تمزق في أربطة قدمي مما أقعدني شهرا ونصف في فراشي لا أتحرك إلا للضرورة القصوى، وخلال هذه المدة زارني أخي الأكبر الدكتور إبراهيم، وأحضر لي كتابا حتى أتسلى به في قعدتي التي لا تسرّ عدوا ولا صديقا. كان عنوان الكتاب: الدليل غير الرسمي لإدارة الوقت، للكاتبة دون رينو، وكانت المرة الأولى التي أسمع بها بمصطلح إدارة الوقت، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
في البداية وضعت الكتاب جانبا ولم أرغب بقراءته؛ لأنه من عمل الأجانب، فهو رجس من عمل الشيطان، وما الفائدة التي يمكن أحصل عليها منه، فعندي كتب الفقه والتفسير والعقيدة والحديث، وهل ترك علماء المسلمين لغيرهم شيئا يكتبوا فيه؟ نحن مصدر العلم والأخلاق، نحن أساس الكون، وباقي المخلوقات كمالة عدد ليس لها لزوم، ولا فائدة. أعترف بصدق أنني كنت ساذجا في تفكيري، وغبيا في استنتاجاتي. ومع مرور الأيام وتضاعف الملل، أخذت الكتاب وبدأت بقراءته، وما هي إلا أياما معدودة حتى ألتهمتُ صفحاته الـ(445) كاملة، وكانت هذه اللحظة من العلامات الفارقة في حياتي، حيث قلبتها رأسا على عقب، وعرفت كم كنت جاهلا ومتعاليًا.
الكتاب يتكون من 18 فصلا، رتبت ترتيبا منطقيا جذابا، حيث بدأت المؤلفة بسؤال: لماذا لا تتوفر لك ساعات كافية في اليوم؟ وبعد أن أجابت عن سؤالها انتقلت إلى فصل عنوانه: التوصل إلى أفضل جدول أعمال، ثم التنسيق بين رغباتك وبين حاجتك إلى إدارة الوقت، ثم تكلمت عن مزايا إدارة الوقت، ومن ثم كيف تنجز أعمالا أكثر في وقت أقل، وتحدثت عن المقاطعات التي يتعرض لها الإنسان وكيف يتغلب عليها، ثم بيّنت أنّ طلب المساعدة لا يعني أنك ضعيف،...وهكذا.
لا أخفي أنني أُصبت بصدمة حضارية، كيف يفكر هؤلاء الناس، وكيف يحسبون وقتهم وثمنه حيث للوقت ثمن؟ بينما نحن نسعى بكل الوسائل إلى قتل الوقت، مما جعل أوقاتنا بلا قيمة، ونحن بلا قيمة أو ثمن.
ومما استفدته من هذا الكتاب، أنه ينبغي أن أستعمل كلمة (لا) بكفاءة، فكثيرا ما يطلب مني الخروج مع الأصدقاء أو المشاركة في بعض الزيارات غير الهامة، ويكون جوابي (لا) وأنا مرتاح الضمير، وما عدت أخجل من قولها؛ لأنها تساعدني على تنظيم وقتي بشكل جيد.
كما تعلمت أن من يقول: ليس عندي وقت لكذا أو أنا مشغول دائما، فقوله غير صحيح؛ لأنه يملك الوقت بالفعل لكنه لا يحسن إدارته.
كذلك تنبَّهت إلى أن اليوم لكل البشر 24 ساعة، للمبدع ولغيره، للمنتج وللنائم، كلنا تمر علينا هذه الساعات بالتساوي، ولكن النجاح والفلاح لا يكون إلا من نصيب من يحسن إدارة هذه الساعات، مما يجعله متميزا عن أقرانه، فالناجح لا يملك في اليوم عدد ساعات أكثر من غيره، ولكنه يحسن استثمار هذه الساعات أكثر منهم، هذا هو حاصل علم أو فن إدارة الوقت.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية