حكومة الرزاز وأزمة وقت وخيارات!

الكاتب : ماجد توبة

ليس ضربا في الرمل توقع أن يمر بالمحصلة مشروع قانون ضريبة الدخل المعدل من مجلس الأمة في مطلع دورته العادية المقبلة، أي قبل نهاية العام الحالي بحيث تدخل أحكامه حيز التنفيذ بحلول العام المقبل. نعم نتوقع من مجلس النواب إجراء تعديلات مهمة على القانون، خاصة في موضوع سقف الإعفاءات للأسر وربما بقصة الشرائح الضريبية وغيرها، لكن المنتج النهائي للقانون لا شك سيمس بالطبقة الوسطى أساسا، وإلى حد ما وبصورة غير مباشرة محدودي الدخل، إضافة الى قطاعات اقتصادية تعاني أصلا.

التسليم بهذا القدر من قبل المعارضين للمشروع، وهم كثر، قد لا يؤثر بالنهاية على تمرير القانون، لكنه لن ينهي مشكلة ارتفاع منسوب المعارضة للقانون وللسياسة الاقتصادية للحكومة، التي تم المراهنة عليها بعيد تشكيلها بقدرتها ورغبتها بتقديم مقاربة اقتصادية، ولا نقول نهجا اقتصاديا، جديدا يعيد الثقة للناس بالرسمي وبالمستقبل وبالخروج من عنق الزجاجة.

المقاربة التي قدمها رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز بتصريحاته وبرنامجه المعلن، وهو قدمها حتى الآن نظريا، هي إعادة النظر بكل العبء الضريبي على المواطن الأردني، وباتجاه الارتكاز على ضريبة الدخل التي تعد أكثر عدالة، والحد من غلواء الضرائب غير المباشرة، وتحديدا ضريبة المبيعات التي شوهت كل شيء وطالت الفقير والغني وتسببت بانكماش حركة السوق وزيادة الأعباء المعيشية وضرب القدرات الشرائية للناس، وما ولده ذلك من انعكاسات على مجمل الحركة التجارية والانتاجية.

حكومة الرزاز لم تلتزم حتى الآن بالكفة الأخرى للمعادلة بمقاربتها المطروحة والمتبناة نظريا، وهي إعادة النظر بالعبء الضريبي الذي تتسبب به ضريبة المبيعات على كل السلع، الارتكازية والاساسية والثانوية، ربما باستثناء قرارها بإلغاء وخفض ضريبة المبيعات على الخضار وبعض المنتجات الغذائية المرتبطة بها، وهو خفض لا يكاد يؤدي الى أي فرق حقيقي على حياة الناس، وذلك بخلاف ما يمكن أن يجره من أثر إيجابي وملموس تخفض ضريبة المبيعات على بعض السلع والخدمات الاساسية.

أوساط الحكومة تؤكد أن الرزاز والحكومة لم تتراجعا عن وعودهما بالوصول الى مرحلة إلغاء التشوه الضريبي الذي تتسبب به "المبيعات" والإقدام على قرارات بإلغاء او خفض هذه الضريبة على سلع وخدمات أخرى مستقبلا. لكن هذه الأوساط تشير الى أن ثمة صعوبة كبيرة اليوم بإقرار مثل هذه التخفيضات لئلا يتم التأثير على موارد الموازنة المقبلة للعام المقبل، خاصة أن أثر تطبيق ضريبة الدخل المعدل والحد من التهرب الضريبي لن يظهر بصورة ملموسة قبل مرور عام على الاقل، في وقت لا تستطيع الحكومة المجازفة بخفض الايرادات الناتجة عن "المبيعات"، على الأقل العام المقبل، والعودة الى قصة العجز بالموازنة.

قد تكون هذه النقطة هي الأزمة الحقيقية أمام حكومة الرزاز التي رفعت بتشكيلها وتصريحات ورؤى رئيسها الايجابية مستوى التوقعات لدى الناس، فيما الواقع لا يسعفها، ونتحدث هنا فقط عن جزئية العبء الضريبي وإعادة توزيعه.

مع ذلك، فإن الكيل قد فاض بالناس بانتظار الانفراجة المعيشية والاقتصادية، أو على الأقل وقف الانحدار المعيشي الذي تعيشه الاغلبية، ما يترك مساحة الخيارات الصعبة أمام حكومة الرزاز وأزمة التوفيق بين المتناقضات بين الرغبة والواقع مشكلة حقيقية أمام الحكومة. لا أعرف كيف يمكن أن تخرج الحكومة من مثل هذه الأزمة الحقيقية، لكنها بلا شك مطالبة كصاحبة مسؤولية وتنطحت للعمل العام، أن تجترح من القرارات والسياسات ما يطمئن الناس على مستقبلهم ويخفف من الوضع المأزوم الذي يعيشونه اليوم.

الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية