صحافة ما بعد الطوفان

الكاتب : جميل النمري

خذ مثلا خبرا يقول إن وزارة الخارجية عقدت امتحانا للدبلوماسيين الجدد يشتمل على الأسئلة الجنسية الصريحة بما في ذلك الميول المثلية، فكتبت تعليقا غاضبا على المقال المنقول عن.. عن.. عن، أتساءل فيه كيف يتم تداول خبر بهذا السخف والاستخفاف بعقل الناس لكن وجدت تعليقات هائجة غاضبة صدقت الخبر أو تضعه برسم السؤال وتطالب بالتحقيق به.

لم تعد الأولوية أن تفتح على الموقع الصحفي الالكتروني الذي تفضله لتقرأ الأخبار ذلك أن طوفانا من الاثارة ينتظرك على مواقع التواصل الاجتماعي. اسحب بإصبعك على الهاتف "الذكي" وعلى بعض التطبيقات فتكرّ تحت نظرك الأخبار والمعلومات والتعليقات فتنتقي ما شئت دون الحاجة لحصر نفسك في موقع صحفي معين، ويمكن أن تتوقف عند بث فيديو فترى أن عدد المشاهدات يفوق مئات المرات ما يمكن لنفس الشخص أن يحققه بالظهور على إحدى قنوات التلفزة.

ما أحسن مهنية وجدية وصدقية المواقع الصحفية الالكترونية التي طالما شكونا منها أمام اعلام "السوشال ميديا" مثل الفيسبوك وحسابات التراسل مثل الواتس أب وقد اصبحت مصدرا رئيسا لتداول الأخبار والمعلومات والتعليقات بما في ذلك الاطلالات الحيّة بالصوت والصورة التي تبقى قيد التداول متنقلة عبر الحسابات أو على تطبيق اليوتيوب.

ما يخيف هو قابلية الثقافة العامة لتلقي كل معلومة وكل رأي وكل تعليق يلقى علينا عبر وسائل التواصل وانعدام الحصانة النقدية أمامها ابتداء من الخزعبلات والخرافات وانتهاء بالاخبار المحلية والسياسية وتشعر أحيانا بضرورة التعليق والتوضيح لكن لن تغطي نزرا يسيرا ولو بتفرغ كامل، وأمس شاهدت فيديو يضع ترجمة لحديث لنتنياهو يشرح فيه أمام الكنيست كيف زرعت اسرائيل الخميني كعميل لها في ايران وقام أحدهم مشكورا بتوضيح أن الترجمة كاذبة كليا وذكرني ذلك بترجمات كاذبة كثيرة مثل حديث هيلاري كلينتون عن إنشاء داعش أو فبركة الربيع العربي ناهيك عن النقل الكاذب لكتب ومقالات تدغدغ الخيال وتشبع الطلب على نظرية المؤامرة.

مؤخرا أعدت اكتشاف المتعة والسلام في مطالعة الصحيفة الورقية واستعدت مشاعر الاحترام للمواقع الصحفية الالكترونية. صحيح أنها ما تزال نفسها التي كنا نشكو منها لكنها تبقى مواقع مسؤولة مهنيا واعلاميا لا تستطيع ان تنشر "أي كلام" وتشير الى الاشاعات والمعلومات غير المؤكدة بوصفها كذلك، وإذا مارست الابتزاز على شركة او مؤسسة بمعلومات غير صحيحة فهي ستتحمل المسؤولية القانونية. وموضوعي هنا ليس حرية التعبير التي أصبح سقفها السماء فعلا بفعل الفضاء المفتوح لوسائل التواصل ولن يتمكن قانون الجرائم الالكترونية من كبحها بل موضوعي هو مستقبل "الصحافة " كمهنة وكمؤسسات وهي توشك أن تصبح خارج التاريخ.

وسائل التواصل صنعت طوفانا عامت عليه وسائل الاعلام ففقدت وزنها ومركزيتها وتداخلت بلا فواصل ولا حدود كل مصادر المعلومات والأفكار والى الأمام قليلا سيتعب الرأي العام من هذا الضلال العام وسوف يعود الاعتبار للمصادر "المسؤولة " والمختصة بالخدمة الصحفية والاعلامية كمصدر موثوق للمعلومة وحتى لو كانت المعلومة غير صحيحة او محرفة او مجيرة فهناك مرجع مسؤول عنها. ومثلما ان البضاعة يجب ان تحمل ختم الجهة الصانعة فإن المعلومة يجب ان تحمل اسم المصدر الأول لها. سأعرض انطباعا اوليا هو ان الناس الى الأمام قليلا سيتعبون من طوفان التداول الحر الذي صنعته وسائل التواصل والانترنت المترع بالوهم والجهل والتظليل وانعدام وسوف يعود الاعتبار الى مهنة الصحافة والمؤسسات الصحفية والاعلامية حيث يوجد أناس مسؤولين ومؤهلين مهنتهم تقديم خدمة الاعلام والمعلومات للآخرين.

الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية