بلا «مطبخ» إعلامي

الكاتب : حسين الرواشدة

أمام «ماكينة» الاتصال الجديد، وخاصة في نسخته التي وصلتنا اخيرا «البث المباشر» ، لم يعد بمقدورنا ان نضع رؤوسنا في الرمال ونلتزم «حكمة» التطنيش وعدم الرد، فالرأي العام يتشكل بالعادة نتيجة للزخ المعلوماتي الهائل والتكرار وصدمة المشاهد باخبار يريد ان يسمعها، لا يهم ان كانت صحيحة ام لا، المهم انها جاءت في توقيت مناسب، ونزلت على ارض عطشى لاستقبال اي شيء وجاهزة لابتلاعه ايضا.

حين ندقق فيما يردنا من اخبار نجد اننا امام «فوضى» مقصودة هدفها اغراقنا في محيط من التشكيك والتخويف والارباك، نجد ايضا ان بلدنا يقف مكتوف اليدين امام هذه الموجة الجديدة وكأنه لم يتوقعها، نجد ثالثا ان الجمهور اصبح متعطشا لسماع المزيد من الحكايات والقصص والوقائع، ثم نجد اخيرا ان اصداء ما نسمعه بدأ يتردد على شكل قرارات او تصريحات عاجلة دون ان نصارح انفسنا باجابات حقيقية وعميقة على ما يطرح من اسئلة.

فيما مضى، كانت «التغطية» على المعلومات واحتكارها، لأسباب مختلفة، فكرة رائجة ومقبولة لدى المسؤولين، وحتى مع وجود قانون حق الحصول على المعلومات فإن النتيجة لم تتغير، اذ يحتاج الصحفي الى رحلة طويلة قد تستمر شهوراً وربما لا يحصل بعدها على ما يريد، لكن مع ثورة الاتصالات وما جرى على مجتمعنا الصغير من تحولات، تغير الواقع كثيراً، ووجدنا انفسنا امام خرائط مكشوفة ومزدحمة بالمعلومات، بعضها صحيح والاخر مجرد اشاعات، لكنها في المجمل استطاعت ان تكسر دوائر «الاسرار» وتضع الناس امام حقائق شكلت لبعضهم صدمة وللآخرين مجالاً للتندر والسخرية.

الان، لا يستطيع اي مسؤول ان يتكتم على المعلومة، وحتى حين يضعها في «خزانة» الاسرار، ويخفي في جيبته مفاتيحها، فإن انكشافها هي مسألة وقت، واذا انكشفت على اجنحة تحليلات صادمة، او اشاعات عابرة، فإن مصارحة الرأي العام بفتحها قد يبدو سهلاً، لكن اقناعه بعدم صحتها مسألة صعبة ومكلفة وغير مضمونة النتائج.

ثمة تطور جديد على المشهد، فقد دخل مسؤولون سابقون (بعضهم يقيم خارج البلد ) على خط المعلومات والاسرار، وربما تمتد الظاهرة وتتوسع، فنكون عندئذ امام خزانات جديدة لا نعرف كيف نتعامل مع مصارحاتها المفاجئة، كما لا نعرف في غياب الروايات الرسمية الدقيقة فيما اذا كان هؤلاء يقولون الحقيقة ام لا.

لنعترف الان ان عيون المجتمع اصبحت قوية، سواء بفعل الضغوطات التي يتعرض لها، او بسبب الاعلام الجديد الذي فتح هذه «العيون» على كل شيء يدور حولها، وبالتالي فإن من واجب الدولة ان تبادر الى «بناء» خطابها العام ليكون معبراً عن قيمتها ومواقفها، ومع ضمير الناس وقضاياهم، والّا فإن البديل هو رواج خطابات شعبية متحمسة احياناً، ومتضاربة احياناً اخرى، لكنها ستجد من سيصدقها ويأخذ بها، واذا حدث ذلك فإن محاولة الرد عليها او ابطالها سيحتاج الى جهد كبير، او انه –ربما- لن يكون مجدياً.

لا بد ان يكون للدولة «مطبخ» يتمتع بالكفاءة والمصداقية، بحيث تبدو الرواية الرسمية ممثلاً وحيداً لخطاب الدولة، ويكون هذا الخطاب سريعاً ومتماسكاً ومقنعاً للمجتمع، وهذا يحتاج الى كسر الحواجز بين المؤسسات وتوثيق العلاقة بينها، بحيث تقوم كل جهة بواجبها، وتتولى التنسيق مع غيرها، وظيفة هذا المطبخ لا تتعلق «بالأزمات» فقط، وانما تتجاوزها الى تقديم الرواية الرسمية لكل قضية تشغل الرأي العام، بمنطق الاستباق او الرد اذا لزم الأمر.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية