حينما تمشي التنمية على رأسها!

الكاتب : د. باسم الطويسي

السيد فواز النواصرة رئيس بلدية الجفر والسيد حسان دماني عضو مجلس محافظة معان (اللامركزية) ظهرا على شاشة قناة "المملكة"، في برنامج حواري لمدة ساعة، هذا الحوار يشكل وثيقة إدانة لأجيال من الحكومات ليس فقط لحجم الإهمال والتهميش لمئات البلدات والقرى في طول البلاد وعرضها وحسب، بل لغياب التخطيط السليم لأولويات التنمية وغياب المتابعة وسوء تنفيذ المشاريع.
الأسبوع الماضي كتبت في "الغد" تحت عنوان (لماذا تتعثر مشاريع التنمية في المحافظات) وأشرت إلى أمثلة من بلدتي الجفر والرويشد، ولكن بعد الاستماع للمرارة والصدق والوضوح الوطني في حديث النواصرة والدماني، تزداد القناعة بحجم الظلم الوطني الذي تعرضت له هذه المجتمعات، وتزداد القناعة ليس لاستدارة في أدوات التنمية وبرامجها بل الحاجة إلى قلبها رأسا على عقب فقد أتعب الناس وخذلوا على مدى عقود نتيجة محاولة عنيدة لإجبار التنمية للسير على رأسها بدلا من قدميها .
قبل عام ونصف أعلنت الحكومة السابقة برنامج تنمية البادية 2017 – 2019 وخصص له 55 مليون دينار وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف مدة البرنامج لم نسمع عن مخرجات هذا البرنامج، إلى جانب ذلك هناك نحو 170 مليون دينار في صندوق أضرار حرب الخليج ومن المفترض أن هذه الأموال تخصص لمشاريع تنموية للبادية الأردنية في الشمال والوسط والجنوب وإذا ما سئلت عن هذه الأموال سوف تغرق بالتقارير والاستشارات والمقترحات بدون وجود آثار حقيقية تنعكس على مئات الكيلومترات من المراعي التي جفت وألحقت بها تلك الحرب آثارا بالغة، المشكلة الكبرى والمرارة الحقيقية حينما نكتشف أن القصة ليست في الأموال بل في إدارة تلك الأموال ووصولها بالفعل إلى مستحقيها.
تشكل البادية الأردنية أوسع إقليم يمتد على مساحة 80 % من المملكة، وهي ليست صحراء بالمفهوم التقليدي، بل تحوي على تنوع نباتي وحيوي كبير ومدهش، وتشتمل على نحو 300 تجمع سكاني، والمهم أن هذا الإقليم الواسع يختزن الكثير من الموارد الوطنية وعلى رأسها الموارد الاستخراجية الأهم، ومنها الفوسفات إلى جانب المياه، في الوقت الذي شهدت فيه البادية الأردنية إهمالا تنمويا على مدى العقود الأخيرة أخذت عوامل تهشيم البنى الاقتصادية التقليدية بالازدياد، ما أثر في العمق على أنماط العيش وعلى سلوك الأفراد والجماعات.
ما لحق بالبادية الأردنية خلال العقود الماضية ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي يرتقي بالفعل إلى مستوى الظلم الوطني؛ وبالأرقام الرسمية والدراسات الأكاديمية هناك فجوات تنموية هائلة، فكل عام نكرر الحالة ذاتها من التعاطف الوطني المؤقت حينما تصدمنا نتائج الثانوية العامة أنّ مدارس مديريات بأكملها في البادية (لم ينجح أحد فيها)، الأمر ذاته يتكرر في الخدمات الصحية وفي النقل وفي المشاريع الانتاجية، الدولة تبني المدارس والمراكز الصحية لكنها تترك المدارس بدون معلمين والمراكز الصحية بدون أطباء ولا معدات إنه شكل من التنمية المشوهة.
خلال السنوات الست الماضية ازدادت الحركات الاحتجاجية المحلية في البادية الأردنية، نتيجة الإهمال وازدياد تفاقم مظاهر الفقر والبطالة وانتشار المخدرات وعزلة المشاريع الكبرى التي تستنزف موارد البادية دون أن يلمس الناس آثارها، في منطقة مثل الجفر يقطنها نحو 12 ألف نسمة يوجد أكثر من ألف عاطل عن العمل فيما تحرم المجتمعات المحلية من تنمية حقيقية في مجال الأنماط الإنتاجية التي تراعي الخصائص الطبيعية والاجتماعية منها منعهم من استغلال الآبار الارتوازية أو تنفيذ مشاريع حقيقية للحصاد المائي أو فرص ملائمة للاندماج في المشاريع الاستخراجية الكبيرة.
أمام الحكومة الحالية فرصة كبيرة في إحداث فرق حقيقي في استعادة البادية الأردنية بالعودة إلى الإنتاج وفي الاستفادة من الموارد المحلية فالناس لا يريدون مساعدات بل تمكينهم من مواردهم المحلية، يحتاجون أن تمشي التنمية على قدميها وأن يلمسوا بأنهم يتقدمون إلى الأمام.
الغد


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية