«ساعة بغداد».. حين تكتب طفلة عراقية الوقائع والخيال

مدار الساعة - استطاعت الكاتبة العراقية، شهد الرواي، في روايتها "ساعة بغداد"، استحضار روح طفلة تحكي سجلاً من وقائع وخيال، بعذوبة وبساطة، بعيداً عن التعقيدات والتفاصيل المريعة والمتشابكة لما حدث في عراقها، إنما جعلت صورة الحزن والذكريات ووطأة الزمن والحرب، تلوك نفس القارئ ببطء.

في "ساعة بغداد"، ينتقل القارئ بين محطات لطفلة وأهل مدينتها الصغيرة، وحكايا الجيران، وبدايات الحصار والحرب وما بينهما من تحولات، وتغوص به الكاتبة في تفاصيل من فانتازيا وغرائبية طعمت بها النص بشكل يليق بذهن طفلة تراقب العالم من حولها بمشاعر متقدة وواقع من منظور مختلف.

وربما أبرز ما طبع الرواية هو نفس كتابة مميز يبدو ساذجاً للوهلة الأولى، إذ اعتمد البساطة البالغة وتجاوز الأحداث المريرة وخطايا البشر، على أن المؤلفة ارتأت ذلك طبقاً لكون الراوية طفلة ثم مراهقة ثم شابة لازالت تتعثر في ذكرياتها وحاضرها وحتى "مستقبلها"، ومن حولها، إذ أفردت المؤلفة قرب نهاية الرواية نحو فصلين يدخل فيها "المستقبل" الأحداث كراوي يخاطب الطفلة العراقية التي لا تريد أن تكبر بشكل ما.

وتمتلئ صفحات "ساعة بغداد" بقصص من تراث وأساطير ومفاصل الحياة اليومية والحب العذب والمتقد والمفاجآت القاسية وحتى السحر والخيال، جاعلة القارئ يتعلق باللمسة الإنسانية الخالصة وراء كل ذلك، إلا أنه يؤخذ على هذه الرواية الكثير، وواجهت المؤلفة نقداً لاذعاً لذلك.

ومن أبرز ما يحمله النص من وهن، هو أخطاء اللغة وصياغات غير منطقية، ناهيك عن ثغرات في الأحداث وغموض يلتبس بعضها، إلا أنه للإنصاف تحتاج رواية "ساعة بغداد"، لأن تُقرأ بتحرر وتبسط ومجازية، كونها تحمل مرساة نجاة لأحداث وحكايات إنسانية لأهل العراق، كان ليطويها النسيان.

ويرى الناقد عدنان أحمد، أن "ساعة بغداد"، هي رواية حداثية معنى ومبنى، وشخصياتها مدروسة، وهي تتحرك ضمن سلسلة الأحداث المفجعة في غالبيتها لكن بصيص الأمل كان موجوداً بين طيّات النص السردي الذي أنقذ الذاكرة الجمعية من الغرق والنسيان بالكتابة.

وتتوزع شخصيات النص الروائي مثل الراوية التي تحمل بعضاً من مواصفات المؤلفة، ونادية، وبيداء، وباجي نادرة، والمشعوِّذ، و"المستقبل" وسواهم من الشخصيات التي هشّمت آلية السرد المُتعارَف عليها سلفاً، بل إن صوت الراوية نفسها قد تدرّج من الطفولة إلى المراهقة حتى وصل إلى سنّ النضج، ولهذا فإنّ من يشْرع بقراءة الرواية يعتقد أنها مخصصة للأطفال أو الفتيان في أفضل الأحوال، وتحررت المؤلفة من الثيمة الرئيسية الواحدة واعتمدت على ثيمات متساوية من حيث العمق، والشمولية، وأهمية الأفكار التي تنطوي عليها كل ثيمة على انفراد كالحُب، والحرب، والهجرة، والإرهاب، والانتحار، والشعوذة، والنبوءة وكأنها تريد أن توحي للمتلقين بأنها تكتب عن ثيماتٍ يعرفها العراقيون جميعاً.

ويقول أحمد: "يبدو أنّ الكاتبة قد اعتمدت في اجتراح أسلوبها المتدفق الذي لم يصل بعد إلى حد البصمة الخاصة على قراءات عربية وأجنبية، فهي معجبة بأسلوب الكاتب العراقي الساخر نوري ثابت الذي كان ينزل إلى مستوى القارئ العادي ولا يجد حرجاً في استعمال كثير من المفردات العامية في عموده الصحافي، وقد أشارت غير مرة إلى أنها متأثرة بالموجة الأولى من روائيات عصر السوشيال ميديا من أمثال الأميركية إيما كلاين، والبريطانية جوجو مويس التي بيعت من روايتها "أنا قَبلك" ستة ملايين نسخة، وسواهنّ من الكاتبات اللواتي ينتمين إلى تيار الرواية ما بعد الحداثية التي تقوم على تحطيم بنية السرد التقليدي التي عرفناها سابقا في تيار الرواية الجديدة الذي مثّله ألن روب - غرييه، وكلود سيمون، وميشيل بوتور، وغيرهم من الروائيين الفرنسيين الذين رفضوا نموذج البطل التقليدي، وانتهكوا محدودية الزمان والمكان".


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية