الفساد.. ما هو أبعد من التفاصيل المنظورة

الكاتب : احمد الحسبان

يبدو ان» جدلية الفساد» قد تحولت بقدرة قادر الى ازمة ثقة يصعب تحديد أطرافها بدقة، ومرد ذلك سوء الفهم لطبيعة هذا الملف الشائك، وعدم وجود إرادة جمعية لتشخيص الواقع تشخيصا دقيقا، واستخدام ذلك التشخيص في وضع آلية معالجة لا تقتصر على معالجة» اغصان الشجرة « ، بل تمتد الى جذورها، وبما يمكن ان يكون رادعا لا محفزا لعمليات فساد كبيرة كانت ام صغيرة.

ففي كل قضية فساد ـ كبرى كانت ام صغرى ـ ننشغل بالتفاصيل التي امامنا، والتي يتم الإعلان عنها او تلك التي يجري تداولها بمختلف الوسائل، وقد نخلط بين الاشاعة والمعلومة، وبين الغث والسمين، ونحول القضية الى مسالة جدلية، بين فريقين.

وفي الوقت نفسه نبتعد عن خلفيات تلك القضية ونتجاهل ـ بحسن او سوء نية ـ فكرة التشخيص العميق لكل حالة على حدة، والربط بين تلك النتيجة والمجموع الكلي للحالات.

المدقق في كل قضية فساد اكتشفت يتوقف عند معطيات لها علاقة بامتدادات خارجية» خارج الدائرة الضيقة» .. وبشخوص من خارج تلك الدائرة المعنية مباشرة ، وهي شخصيات متنفذة اما ان تكون مشاركة في العملية او انها توفر الغطاء وتقدم التسهيلات» اللوجستية» مقابل مصالح معينة،وقد تقدم بعضها خدمات من خلال سلسلة شراكات يسهل على المتنفذ التحلل منها في الوقت المناسب.

والأخطر من ذلك ان تلك المجموعة المتنفذة تمتلك بعض الصلاحيات التشريعية والإدارية التي يمكن ان توظفها لخدمة الفاسدين.

ولو دققنا في الكثير من القضايا المكتشفة وبخاصة الكبيرة منها لتاكدنا من وجود هذا الخيط بوضوح، ووصلنا حد القناعة بانه من الصعب ان تجد فاسدا يعمل لوحده، وان العملية تشبه العصابات التي تتقاسم الأدوار وتحتاط لأية مستجدات يمكن ان تحدث ولأسوأ الظروف.

هذه القراءة، والتي أرى انها وصلت حد القناعة، تعيد « الجدلية» الى نقطة البداية، حيث ما زالت الحكومات المتعاقبة وبعض اركان الدولة ترى ان الحديث عن الفساد يفوق حجمه الطبيعي، وان هناك مبالغة في تصوير الملف، وبما يرتقي الى مستوى الاتهام بالإساءة للدولة وللاقتصاد الوطني.

ورغم تكرار اكتشاف قضايا الفساد الكبيرة، واكتشاف مسارات تعزز القناعة بان لكل فاسد فريقا، وان الفساد « مؤسسي»، ويمتلك بعض القنوات التي تعزز النفوذ في سلطات أخرى، ما زالت بعض الأصوات الرسمية تغض النظر عن تلك التفاصيل المهمة، كما تتغاضى عن بعض التغطيات التي تفرغ حالات الفساد الكبرى من مضمونها، وتحيل الفاسدين الكبار الى مشاريع ضحايا لآخرين صغار.

كل ذلك يرفع من حجم الجهد الملقى على كاهل قضائنا النزيه، الذي نثق به ونحتكم اليه، ونتمنى ان يكون له دور في اقتراح التشريعات وفي صياغة مسوداتها، قبل عرضها على مجلس الامة.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية