من أنا؟

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

في بعض الأحيان أسأل نفسي: من أنا؟ فتغيب عني (من) وأبقى أحفر في أعماق الأنا، لأنّ لها جاذبية قاهرة قادرة على شدّك إليها لتعيش معها وحدها، وتعيش معك وحدك.

هذه الأنا تدل على الذات، كما تدل على الصفات، وتشير إلى هويّة الإنسان، ولا يستطيع أن يتخلص منها؛ لأنها حاضر مع وجوده لا تنفك عنه.

هذه الكلمة (أنا) استعملها إبليس معترضا على الرب سبحانه حيث طلب منه السجود لآدم حيث قال: (أنا خير منه) فكانت دلالة على تكبره وغطرسته، فتسببت بلعنه وطرده.

كما استعملها الطاغية فرعون مدّعيًا أكبر كذبة في الوجود، وهي ادعاؤه الربوبية، حيث قال: (أنا ربكم الأعلى) فكانت نهايته الموت غرقًا.

كم هي مهلكة هذه الأنا عندما يستعملها البشر، والغريب أن فئة من البشر لا تكتفي بأنا واحدة بل تجمعها فتكون نحن، وكأنه يقول: أنا وأنا وأنا، لذلك لا نتعجب أن يقول أحدهم للآخرين: من أنتم؟ لأنّ الأنا عنده قد تضخمت حتى صارت حائطا سميكا عاليًا يمنعه من رؤية غيره. وآخر يقول: (أنا فهمتكم) فمحور الحديث الأهم أنا، ثم تأتي فهمتكم، فأنا في المقدمة دومًا.

وهذا الحب العجيب للذات يسمى الأنانية، وهذه الصفة الذميمة اشتقت من الأنا، فالأناني يحب (أناه) أكثر من أي شيء في الوجود ولا يقدم عليها شيئا، لذلك يفقد محبة الآخرين.

أما أهل العشق والهوى، فالأنا عندهم تتلاشى في المحبوب وتتحد به حتى تصبح هي هو، وهو هي، وكما قال الشاعر:

فإن قيل من تهوى فقل ..أنا من أهوى ومن أهوى أنا

فالحب لا يلتقي مع الأنا ولا يعرفها، بل هو ضدها؛ لأن الأنا حب للذات فقط، بينما الحب والعشق لشيء (آخر) خارج عن الذات، يقدم فيه المحبوب هوى محبوبه على هواه، فيتصف بالإيثار لا الأثرة النابعة عن الأنانية والإفراط في حب الذات.

من أجل الأنا يتعكّر صفو الأسرة، ولا يقْدِر كل من الزوجين على التفاهم مع الآخر، حيث يتمسك كل منهما بالأنا الخاصة به، وينازع الآخر من أجلها. ومن أجل الأنا يسرق السارق، ويخون الخائن، ويغش التاجر، وكأنّ الأنا محور الشرّ الذي تدور في فلكه كلّ مشكلات الناس ومصائبهم.

إذا كنت تستمع إلى إنسان ما، ولو كان من المحسنين، وبدأ يتكلم عن نفسه فيقول: أنا حججت، أنا صليت، أنا اعتمرت، أنا بنيت مسجدا، أنا ساعدت الفقراء، لسوف تملّ منه ومن حديثه هذا في أٌقل من دقيقة؛ لأنّ الأنا عنده في تضخم مرضي، وتحتاج إلى تصغير أو استئصال، فحديث الأنا غير مرغوب للآخرين، وإن كان صاحبه ينتشي به طربًا.

حتى الشعر متى دخلته الأنا كان محلّ نظر وتأمل، فهذا المتنبي الشاعر الكبير صاحب الحكمة يقول:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي..وأسمعت كلماتي من به صمم

وكأن الأنا عنده تصنع المعجزات الخارقات للعادة والمألوف، فتسمع كلماته الأصم، ويبصر أدبه الأعمى.

هذه الأنا متى تضخمت أخذت صاحبها نحو الهاوية والمجهول، فيعيش في خرافات ينسجها عقله عن نفسه، حتى يكون فريسة ذاته، فيحسب نفسه الأمة أو الشعب، أو يظن نفسه إلها أعظم، أو يتخيل أنه
منقطع النظير، ويتصرف على هذه التخيلات والأوهام والأحلام التي يعيشها مع ذاته، ويترجمها بكلماته، وتكون عاقبة أمره خسرا، لذلك توارثنا: أعوذ بالله من كلمة أنا.

وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أنت ربي...خلقتني وأنا عبدك) نرى مقام الأنا الحقيقي: وهو العبودية لله وحده فقط.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية