تحية إجلال للمعلمين والمعلمات

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

مَن منّا لا يحفظ قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي التي تحدث فيها عن المعلم قائلا:

قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا... كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا

أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي... يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا

هذه القصيدة التي تشير إلى أهمية المعلم ومكانته المرموقة في المجتمع، والتي تتناسب مع النظرة الدينية والإنسانية له. لكن يمكن أن نلحظ التراجع الواضح في مكانة المعلم من الناحية الاجتماعية، حيث كان للمعلم دور بارز في حياة الناس، ينبع من احترامهم له، وتقديرهم لشخصه، لدرجة أننا سمعنا من آبائنا أنهم كانوا يغيرون الطريق الذي يسلكه المعلم كي لا يتقابلوا معه؛ لهيبته في نفوسهم. وأنا أنتمي إلى جيل يحب المعلم ويفرح إذا رآه، ويشعر بفضله عليه. ولكن لا أستطيع أن أخفي أن العلاقة بين المعلم والطالب بدأت تأخذ اتجاهًا غير معهود، ممّا يوحي بفقدان الشق التربوي في العلاقة بينهما.

المعلم هو المربي، وكم ترك فينا معلمونا من آثار إيجابية أو سلبية وهم يعلمون أو لا يعلمون. من خلال المعلم أحببنا القراءة والمطالعة، وأحب بعضنا الرياضة، والبعض الآخر الشعر والأدب، بينما تأثر فريق من الطلبة بالمعلم فتعلم التدخين، أو بذيء الكلام. الطالب صورة مصغرة عن معلمه، ويترك المعلم في هذا الطالب أثرا لا ينكر، لذلك عليه أن يتنبه لهذا الأمر، فإن دوره لا يقتصر على دخول الفصل وشرح المادة، ثم الامتحان والتصحيح، وتقديم العلامات، إن له دورا في التربية والتوجيه، وهو دور خطير بلا شك، وينبه أمير الشعراء على الجانب التربوي للمعلم في قصيدته فيقول:

ربُّوا على الإنصافِ فتيانَ الحِمـى.. تجدوهمُ كهفَ الحقوقِ كُهـولا

فهوَ الـذي يبني الطبـاعَ قـويمةً.. وهوَ الذي يبني النفوسَ عُـدولا

ويقيم منطقَ كلّ أعـوج منطـقٍ.. ويريه رأياً في الأمـورِ أصيـلا

وإذا المعلّمُ لم يكـنْ عدلاً مشى.. روحُ العدالةِ في الشبابِ ضـئيلا

وإذا المعلّمُ سـاءَ لحـظَ بصيـرةٍ ..جاءتْ على يدِهِ البصائرُ حُـولا

وإذا أتى الإرشادُ من سببِ الهوى.. ومن الغرور ِ فسَمِّهِ التضـليلا

وإذا أصيـبَ القومُ في أخلاقِـهمْ.. فأقـمْ عليهـم مأتماً وعـويلا

ولأن للمعلم هذا الدور المهم في حياة الأمة، صار من الواجب أن تعود له مكانته المرموقة في المجتمع، انطلاقا من حسن اختيار من يقوم بهذه المهمة، من حيث القدرة العلمية، والكفاءة في التواصل، وحسن الخلق، مع مراعاة أن يتم تحسين الأوضاع المالية للمعلمين، بحيث لا يحتاج المعلم أن يعمل كسائق سيارة أجرة، أو في مطعم بعد انتهاء دوامه، مع أن العمل عبادة، وليس عيبا، لكن المقصود أن لا يكون المعلم مضطرا للعمل من أجل تأمين مستلزمات الحياة، حيث سيرهق ويتعب، ولن يتمكن من أداء واجبه كما هو مطلوب منه.

يقول صديقي المعلم أنه عندما توظف قدم الحلون لجدته، فقالت له: ما وظيفتك؟ فأجابها: معلم في مدرسة، فقالت: معلم في مدرسة أفضل من الجلوس في البيت، هذه النظرة السلبية لا بدّ أن تتغير، وعلى الدولة أن تُشعر المعلم بأنه محلّ تقدير وتبجيل، لأنه مؤتمن على الأجيال، الذين هم بناة الوطن وقادته، ولن تنجح دولة في هذا إلا إن صارت وظيفة المعلم حُلما وهدفا يسعى إليه المتخرجون من الجامعات؛ كي لا يصير الحال كما قال الشاعر إبراهيم طوقان معارضا:

شَوْقِي يَقُولُ وَمَا دَرَى بِمُصِيبَتِي ..قُمْ لِلْمُعَلِّـمِ وَفِّـهِ التَّبْجِيــلا

اقْعُدْ فَدَيْتُكَ هَلْ يَكُونُ مُبَجَّلاً.. مَنْ كَانِ لِلْنَشْءِ الصِّغَارِ خَلِيلا

وَيكَادُ يَفْلِقُنِي الأَمِيرُ بِقَوْلِـهِ.. كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولا.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية