شهادات وأرقام.. وأسئلة بريئة

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

أكدت إحصاءات التعليم العالي في الأردن للعام الجامعي 2015/2016 والصادرة عن وزارة التعليم العالي أن العدد الإجمالي لخريجي الجامعات الأردنية الحكومية والخاصة لمرحلة البكالوريوس بلغ 57888 طالباً وطالبة. قد يبدو هذا الخبر عاديًا، وقد يُرى أنه من ميِّزات الأردن أن يخرّج الآلاف سنويًا من الجامعات. لكن عند سماعي لهذه الأرقام دار في ذهني أسئلة أحبّ أن أعثر لها على إجابات شافية.

إن أول ما يخطر في الذهن: أين يذهب كل هؤلاء؟ وهل عندنا في الأردن طاقة استيعابية لهم؟ علمًا أن جزءًا منهم يدرس على نفقة الحكومة أو الديوان أو القوات المسلحة، والجزء الآخر يدرس على نفقته الخاصة، فهل هذا الاستثمار في هؤلاء الطلبة بهذا الشكل يُعدّ استثمارًا مربحًا وصحيحًا؟ أم أن المال المدفوع الخاصّ أو الحكومي ينبغي أن تكون له استراتيجية أخرى أكثر جدوى للفرد والمجتمع؟ فما الفائدة إن درست على نفقتي الخاصة أو من خلال منحة تخصصًا ما سأجلس بعده عُمُرًا في بيتي لا عمل لي ولا وظيفة، لأنضمّ إلى طابور طويل لا نهاية له من الباحثين عن الوظيفة والعمل (ولا أحبّ أن أستخدم كلمة العاطلين عن العمل) لأشكل رقمًا صعبًا في إحصائيات البطالة. لن أتحدث فقط عن الجانب المالي والاستثمار غير المجدي فهذا منطق رأسمالي غير محبب، بل ما يهمني أيضًا من تخرج من الجامعة (ذكرا أو أنثى) ما يهمني هذا الإنسان الذي سينسى ما تعلمه قبل أن يبدأ عمله لطول فترة انتظاره، ولن يتمكن من بناء أسرة أو إقامة حياة جديدة. هل المشكلة عند الطالب أو فيمن يخطط له، الطالب سيجد أنّ التخصص الفلاني هو ما يناسبه ضمن معدله، ولن يجد خيارات كثيرة، لكن إن كنا نعلم أننا لسنا بحاجة لهذا التخصص، فلِمَ ندرّسه لأبنائنا، مع علمنا أنّ سوق العمل يغصّ بحملة الشهادات منه؟ هل نحن من يكرّس البطالة بسوء التخطيط والإدارة، أم أنها أمر تلقائي وطبيعي؟ نحتاج إلى إجابات أهل الخبرة.

ثم بغضّ النظر عن لغة الأرقام وحبّ فئة من الناس لها، أريد أن أسألَ عن المنتج نفسه، عن الكيف لا الكم، هل يملك كل هؤلاء الطلبة شهادات فعلية تعطيهم القيمة العلمية الصحيحة؟ مرّ بي من يحمل الماجستير في اللغة العربية وهو لا يتقن النحو أو الإملاء، كيف تخرّج وحمل الشهادة؟ وسمعت من أحدهم أن الحديث ليس عن الإتقان بل الحديث في بعض الأحيان عن المبادئ الأساسية للعلم، حيث يجهل البعض كيف تكتب الهمزة، أو حتى كيف تكتب الكلمة مع التنوين. بطبيعة الحال لا ينسحب هذا الكلام على الجميع، لكنها نماذج موجودة ومشاهدة في مختلف التخصصات، فعلى سبيل المثال، التقيت بمعلم لغة إنجليزية في أحد المدارس، وقد طلبت منه أن يتكلم معي لمدة ربع ساعة بالإنجليزية فقط، لكنه لم يفلح، علمًا أنني لست من أهل هذه اللغة، ولست من المتقنين لها، وأعيش على فتات ما تعلمته في مدارسنا الحكومية. فما قيمة أن أحمل شهادة في مادة لست متقنا لها، ولا مميّزًا فيها؟ الإبداع والتميّز ثقافة لا بدّ من مراعاتها، وإلا سنتحول إلى مجرد أرقام صماء، لا دلالة لها ولا معنى. فما فائدة عشرات الألوف من الخريجين سنويًا وهم لا يملكون القدرة على أن يضعوا لهم قدمًا في جائزة نوبل أو غيرها من جوائز العلم أو الفكر؟ هذه أسئلة بريئة تحتاج إلى إجابات أهل الخبرة والدراية.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية