من قصص العاشقين

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

قصص العاشقين لا تنتهي، فمن بدء الخليقة وهذا الإنسان يحب ويبغض، وقد حفِظت الأمم المختلفة قصص حبها وحربها؛ لتكون عظة للأجيال اللاحقة؛ لأن الحب والكره لا نهاية لهما؛ لأنهما جزء من الإنسان.

ومن غرائب قصص العاشقين نتعلم كم هو ضعيف وفقير هذا الإنسان، وأنه مهما علت رتبته، أو زاد ماله، لا يليق به أن يتكبر أو يتجبّر؛ لأن قلبه الذي في صدره قد يُسبّب له آلامًا لا يعرف حجمها إلا الله تعالى؛ لأن قلب الإنسان إذا عشق وهوى، ففي نار الحب اكتوى.

وقد سمعنا من التاريخ قصصا عجيبة في العشق والغرام، ومن ذلك قصة عنترة بن شداد العبسي وابنة عمه عبلة بنت مالك. ومع أن عنترة كان من الفرسان الأبطال، إلا أنه كان ابن جارية، وكان أسود اللون، ونظرا للتمييز الطبقي الذي كان عند العرب، كان من العسير أن يتمّ جمع شمل هذين العاشقين، ومما قاله عنترة في حب عبلة:

يا عَبلَ إِنَّ هَواكِ قَد جازَ المَدى

وَأَنا المُعَنّى فيكِ مِن دونِ الوَرى

يا عَبلَ حُبُّكِ في عِظامي مَع دَمي

لَمّا جَرَت روحي بِجِسمي قَد جَرى

وَلَقَد عَلِقتُ بِذَيلِ مَن فَخَرَت بِهِ

عَبسٌ وَسَيفُ أَبيهِ أَفنى حِميَرا

يا شَأسُ جِرني مِن غَرامٍ قاتِلٍ

أَبَداً أَزيدُ بِهِ غَراماً مُسعَرا

والقصة الثانية من بطولة قيس بن الملوّح وليلى العامريّة، حيث لم يتوّج هذا العشق بينهما باللقاء والزواج؛ لأن من عادة العرب ألا تزوج من اشتهرا بالحب وذاع صيتهما به، لذلك ظل قيس حزينا على عشقه الذي فقده ورحل عنه، وصار ينشد القصائد في محبوبته هائما على وجهه، حتى لقب بالمجنون، وصارت القصة مثالا للعاشقين. وممّا روي من قصص قيس المجنون أنه في يوم من الأيام يسير مع بعض أصحابه، ورأى كلباً صغيراً فأخذه ووضعه في أحضانه وأخذ يمسح عليه بعطف وحنان، فلامه أصحابه على ما فعل فقال لهم:

رأىَ المجنون في البيداء كلباً

فمـدَّ له مِـن الإحسان ذيـلا

فلامـوه عـلى مـا كــان مـنه

وقالوا لم منحت الكلب نَـيلا

فـقال دعوا الملامة إنَّ عيني

رأتـه مــرّة فـي حـيِّ ليــلىَ

ومن الناس من سما حبهم عن البشر ليتعلقوا برب البشر وخالقهم، فدخلوا باب الحب الإلهي، وصاروا نماذج تقتدى فيه، ومن هؤلاء: رابعة بنت إسماعيل العدوي، المعروفة بـ رابعة العدوية، التي ولدت بالبصرة، ودفنت بجبل الزيتون بالقدس الشريف، ومن أشعارها:

عـرفت الهـوى مذ عرفت هـواك

واغـلـقـت قلـبـي عـمـن سـواك

وكنت أناجيـــك يـــا من تــرى

خـفـايـا الـقـلـوب ولسـنـا نـراك

أحبــك حـبـيــن حـب الهـــــوى

وحــبـا لأنـــك أهــل لـذاك

فــأما الــذي هــو حب الهــــوى

فشـغلـي بـذكـرك عـمـن سـواك

وأمــا الـــذي أنــت أهــل لـه

فكـشـفـك للـحـجـب حـتـى أراك

فـلا الحمد فـي ذا ولا ذاك لـي

ولـكـن لك الـحـمـد فـــي ذا وذاك

أحبــك حـبـيـن.. حــب الهـــوى

وحـبـا لأنـــك أهـــل لـــذاك

وممن اشتهروا بالحب الإلهي، عمر ابن الفارض، سلطان العاشقين، كان والده من حماة بسوريا ثم انتقل إلى مصر حيث ولد عمر، وبجبل المقطم دفن، ومن أشعاره:

قـلـبي يُـحدثُني بأنك مُـتلفِي

روحـي فِداك، عرَفت أم لم تعرفِ

لم أقضِ حق هواكَ إن كنتَ الذي

لـم أقـض فيه أسى ومثلي مَن يفي

مـا لي سوى روحي وباذلُ نفسه

فـي حب من يهواه ليس بمسرفِ

فـلئن رضـيتَ بها فقد أسعفتني

يـا خيبة المسعى إذا لم تسعفِ

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية