حوار الطرشان

الكاتب : د. حسان أبو عرقوب

كثيرة هي المؤتمرات والندوات التي يجتمع فيها ومن خلالها المختلفون من كل الأطياف على المستوى المذهبي أو الديني أو السياسي، يستمعون إلى ورقات العمل والأبحاث المتعددة، وتنتهي هذه الاجتماعات بتناول وجبة الغداء، ويعود كل إلى مكانه وكأن شيئا لم يكن.

ولعلّ السبب في ذلك أن أغلب الحاضرين يأتي ومعه أفكاره التي يعتقدها ويعتزّ بها، كما أنه يحمل في طيات عقله فكرًا مسبقا ونمطيًّا عن الآخر، وليس عنده أدنى استعداد أن يغيّر تلك القناعات المسبقة، ولا أن يحيد عنها قيد أنملة.

من الجميل أن يعتز الإنسان بمعتقداته وأن يراها حقا إن توصّل إليها بعقله وفكره، وكانت مطابقة للواقع عن دليل رآه ونظر فيه. لكن من غير الجيد أن يشكل قناعاتٍ مسبقة ًعن الغير، ويعتبرها أمرًا غير قابل للنقاش، خاصة إن كانت هذه القناعات متوارثة، لا دليل عليها، فهو يرى الآخر ويستمع إليه وفق هذه القناعات المسبقة، وإن كان يجتمع معه بغرض التقارب أو التوافق أو التعرف عليه، فهو يسمع ولا يسمع، ويرى ولا يُبصر.

إذا أراد الإنسان حوارًا ناجحًا، فعليه أن يتخلص من تلك الرواسب العالقة في ذهنه عن الآخر، والتي لا يؤيدها حجة أو برهان، كما يلزمه أن يستمع بقلب وعقل مفتوحين للآخر كي يشكل القناعة الجديدة التي من خلالها تسهل عملية الالتقاء والوفاق. وعلى سبيل المثال، لو جلس المسيحي في حوار مع المسلم معتقدًا أن المسلم يريد إنهاء وجوده والقضاء عليه، فلن يصل إلى نتيجة في الحوار. كما أن المسلم لو نظر إلى المسيحي مستحضرًا حروب الفرنجة وما وقع فيها من قتال بين المسلمين و مسيحيي الغرب، فلن يصل إلى نتيجة أبدا، وسيكون الحوار بينهما حوار الطرشان، حيث لا يسمع أحد أحدًا.

فما الحل إذن؟ الحل في أن يتخلى كل طرف عن الحكم المسبق على الآخر، ويؤسس لفهم جديد، نتج عن اختلاف الزمان والأحوال، وينظر إلى الآخر من زاويتين، الأولى أنه شريك في الوطن، وإن حصل شيء للبلد لا قدر الله، سيقع على الجميع دون تمييز أو تفرقة. والثاني أنني ينبغي أن أعرف الآخر كما يحب أن يقدم نفسه، وإلا سأكون ألصقت به ما لا يدعيه عن نفسه، وألزمته بما لا يلتزمه.
ومثال ذلك، لو جلس غربي مسيحي أو ملحد إلى مسلم، وهو يحمل حكمًا مسبقا عنه أنه إرهابي، وذلك من خلال الصورة التي تُرسم للمسلمين عن طريق مجموعة من وسائل الإعلام الغربية، فإنّ هذا الغربي لن يتمكنَ من قبول المسلم، مهما فعل؛ وربما تكون هذه هي مشكلة فريق من المهاجرين إلى الغرب. لكن لو أن الغربي استمع للمسلم ما هي تصوراته عن العلاقة مع غير المسلم، وما هي آراؤه عن العيش المشترك، والاندماج في المجتمعات غير المسلمة، وما هي نظرته للإسلام وللآخر، وكان هذا الاستماع بعقل وقلب مفتوحين، لربما شكل تصورًا يوصل إلى حكمٍ يخالف الحكمَ المسبق على هذا المسلم.

لكنْ لأنّ الإنسان بطبيعته يجد الراحة من خلال الأحكام المسبقة التي لا تستند إلى دليل غالبًا، سنجده يميل إليها، فيُعرض عن الآخر ويعود إلى أحكامه دون أن يبذلَ جهدًا في سبيل تغيير تصور عن الآخر رسخ في عقله. إنه الكسل الفكري والعقلي الذي يوصلنا إلى حوار الطرشان، ليكون الحوار كلا حوار، ولا يستفيد المتحاورون إلا وجبة الطعام.

الدستور


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية