حكايتي والخبز

جميلة عويصي السرحان رسمنا وطنًا مزدحمًا بالناس..
رسمنا موج السنابل والعصافير..
رسمنا الحصادين وغناءهم..
رسمنا عبق الخبز مع النار..
رسمنا مهرجان الأرض والإنسان..
رسمنا وطنًا مزدحمًا مطحونًا في معجزة الخبز..

قبل صياح الديك فجرًا نصحو على دقةِ مهباش والدي فإذا به يحمس القهوة فيملأُ بيت الشعر عبقها، وإذا بنا نفركُ أعيننا من النعس ، لكن رائحة خبز أمي مخلوطاً بالنار وصوتها يقول:
ألا هلموا يا صغاري ..كلوا الخبز المعفّر بالرمادِ..
فيجعلنا نتسابق للجلوس حول النار لتناول الرغيف الجديد عن الصاج ، فلم يكن يعجبنا سواه مع السمن البلدي والحليب الطازج.

تبدأ حكايتي مع رغيف الخبز، إذْ كنت أرافق والدي الى المطحنة في البلدة لطحن القمح ، وحين نعود يا لفرحنا برائحته العبقة، فأخذت والدتي تعلمني كيفية العجن، كوني البنت الكبرى وانشغال والدتي بأمور كثيرة من رعاية الاغنام وتربية المراييع والغزل ونسج البسط وغيره.
إذْ أذكر أنني أول مرة عجنت كنتُ في الصف الثالث الإبتدائي فأكثرت من الملح، والمرة الأخرى كان العجين صلباً قاسياً، لكن شيئاً فشيئاً ومن شدّة الخوف أتقنتُ العجن جيّداً، حتى أخذت أستمتع بالعجن وأتفنن فيها كما تفعل أمي.
وما إقترن بهذا هو توفير الحطب ، فحكايته وحدها تربي فيك الصبر والكفاح ، فجمع عيدان الحطب يتطلبُ مهارة مسك الفأس جيّدا، إذ كان أغلب حطبنا تللك النبته التي نسميها(عضو أو شنان) ، أو جمع (الجلّة) من (مراح) الغنم هذه للخبز أمّا القهوة فنجمع لها (حرز) الإبل وكنا نستمتع بجمعه ونشره في مكانٍ قريب من بيت الشعر بشكلٍ مرتب ، وكأننا تعلمنا الهندسة.

كنتُ أناظر أمي وهي ترقُّ رغفان الخبز بتلك المهارة والدّقة المتناهية ، فألحُ عليها أن تترك لي قطعةً صغيرة عند النهاية
فيا لفرحتي وأنا أقلدُها.
إلى أنْ أصبحت في الصف الثاني الإعدادي فتذهب أمي لزيارة جدتي رحمها الله فأظطر لخبز الخبز كله ويا لذاك اليوم ، الدموع تسيل من دخان النار ، والمعركة مع النار حتى لا تنطفئ ، والأرغفة بعضها كبير وبعضها صغير وأشكال، فضحك إخوتي يومها كثيراً ، لكنّ أبي قال لي : عفّية بنتي (القرمة)، فحُفرت بالذاكرة لجمالها وللثقة الكبيرة التي تربينا عليها .

كنت أنظر لأمي وهي تخبز ولم أعلم مقدار التعب والجهد الذي تبذله حتى تملأ لنا (ذفال) الخبز ، ونتناوله مع السمن والسكر ونحن نلعب ونحن في المرعى وكأنه الحلوى ، لكنها ليست بحلوى هذا الزمان إذ كانت مخلوطةً بالفرح والبساطة والبراءة.

وإنني أحزنُ اليوم للفطور المُتخم بهموم أمتي وحضارتها وتاريخها ولغتها وحتى حيواناتها ، وأن أعتذر بالنيابة عن المناضلين والمدافعين عن قضاياهم قبل معداتهم للخبز اليابس الملقى في قمامات الشبعانين، وأن أحييّ أمهاتنا اللواتي علّمننا إحترام النعيم،
وأحييّ كلّ أمٍّ مازالت تصنع الخبز لأولادها.

مسكينٌ أيا رغيف الخبز!!
فقد كنت رمزاً من رموز الحياة ، وإننا كنّا نأكلك ولو يابساً في (الخُرج) ، لكن أتت عليك رياح السفر لتغيّر حالك ، فما عاد اللون لونك وما عاد الطعم طعمك ، وخَلت بيوتنا من حبوب القمح اللامعة كالذهب الأصفر، حتى أنّ أطفالنا أصبحوا لا يميّزوا أهذا قمحٌ أم شعير ؟؟،ولم يعرفوا الغربال ولا المقطف حتى..!!.

كنّا ننظر إلى سهول عروس الشمال ومادبا ، ومشارف السلط، وسفوح الكرك والطفيلة والشوبك الأبيّة، فنجدها تعجُ بحقول القمح كأمواج البحر، تتمازج مع كل هبة ريح ، والسنابل رافعةٌ رؤوسها بكبرياء ، أمام جهد وخُدام الأرض الأوفياء.

عشقنا غناء الحصّادين في موارس الحصيد، ومنها:
هب الهوا يا ياسين يا عذاب الدراسين..يا عذابي معاهم ضو القمر طالعهم..طالعهم وايلاليهم وايشلع طواقيهم..يا حمرا يا لواحة لونك لون التفاحة..
لن حدرتي ع البحر لاحدر وراكي سباحة..وان طلعتي للسماء طير مرفرف جناحة..
واللعب فوق لوح (دَرْس) بيدر القمح والشعير، ويا (للمذراة) التي فيها فنٌ وصبرٌ وكفاح، تحت أشعة الشمس التي أعطت تلك الوجوه لون الخلود ، مشهداً عالقاً في الذاكرة إلى البعيد.

أيا رغيف الخبز لقد ذهبت فأخذنا نأكل رغيفاً من قشور القمح الأمريكي المستورد، المخزّن في صوامعٍ تشاركنا فيه الفئران نصيبها،وذاك العمران الذي أخذنا نشهدُ من وراءه مذبحة أراضٍ زراعية، وطمس ماضٍ عريق، ولم تعد لنا حكاية نحكيها لأطفالنا سوى حكاية الرغيف !!حكايتي والخبز..
بقلم:جميلة عويصي السرحان

رسمنا وطنًا مزدحمًا بالناس..
رسمنا موج السنابل والعصافير..
رسمنا الحصادين وغناءهم..
رسمنا عبق الخبز مع النار..
رسمنا مهرجان الأرض والإنسان..
رسمنا وطنًا مزدحمًا مطحونًا في معجزة الخبز..

قبل صياح الديك فجرًا نصحو على دقةِ مهباش والدي فإذا به يحمس القهوة فيملأُ بيت الشعر عبقها، وإذا بنا نفركُ أعيننا من النعس ، لكن رائحة خبز أمي مخلوطاً بالنار وصوتها يقول:
ألا هلموا يا صغاري ..كلوا الخبز المعفّر بالرمادِ..
فيجعلنا نتسابق للجلوس حول النار لتناول الرغيف الجديد عن الصاج ، فلم يكن يعجبنا سواه مع السمن البلدي والحليب الطازج.

تبدأ حكايتي مع رغيف الخبز، إذْ كنت أرافق والدي الى المطحنة في البلدة لطحن القمح ، وحين نعود يا لفرحنا برائحته العبقة، فأخذت والدتي تعلمني كيفية العجن، كوني البنت الكبرى وانشغال والدتي بأمور كثيرة من رعاية الاغنام وتربية المراييع والغزل ونسج البسط وغيره.
إذْ أذكر أنني أول مرة عجنت كنتُ في الصف الثالث الإبتدائي فأكثرت من الملح، والمرة الأخرى كان العجين صلباً قاسياً، لكن شيئاً فشيئاً ومن شدّة الخوف أتقنتُ العجن جيّداً، حتى أخذت أستمتع بالعجن وأتفنن فيها كما تفعل أمي.
وما إقترن بهذا هو توفير الحطب ، فحكايته وحدها تربي فيك الصبر والكفاح ، فجمع عيدان الحطب يتطلبُ مهارة مسك الفأس جيّدا، إذ كان أغلب حطبنا تللك النبته التي نسميها(عضو أو شنان) ، أو جمع (الجلّة) من (مراح) الغنم هذه للخبز أمّا القهوة فنجمع لها (حرز) الإبل وكنا نستمتع بجمعه ونشره في مكانٍ قريب من بيت الشعر بشكلٍ مرتب ، وكأننا تعلمنا الهندسة.

كنتُ أناظر أمي وهي ترقُّ رغفان الخبز بتلك المهارة والدّقة المتناهية ، فألحُ عليها أن تترك لي قطعةً صغيرة عند النهاية
فيا لفرحتي وأنا أقلدُها.
إلى أنْ أصبحت في الصف الثاني الإعدادي فتذهب أمي لزيارة جدتي رحمها الله فأظطر لخبز الخبز كله ويا لذاك اليوم ، الدموع تسيل من دخان النار ، والمعركة مع النار حتى لا تنطفئ ، والأرغفة بعضها كبير وبعضها صغير وأشكال، فضحك إخوتي يومها كثيراً ، لكنّ أبي قال لي : عفّية بنتي (القرمة)، فحُفرت بالذاكرة لجمالها وللثقة الكبيرة التي تربينا عليها .

كنت أنظر لأمي وهي تخبز ولم أعلم مقدار التعب والجهد الذي تبذله حتى تملأ لنا (ذفال) الخبز ، ونتناوله مع السمن والسكر ونحن نلعب ونحن في المرعى وكأنه الحلوى ، لكنها ليست بحلوى هذا الزمان إذ كانت مخلوطةً بالفرح والبساطة والبراءة.

وإنني أحزنُ اليوم للفطور المُتخم بهموم أمتي وحضارتها وتاريخها ولغتها وحتى حيواناتها ، وأن أعتذر بالنيابة عن المناضلين والمدافعين عن قضاياهم قبل معداتهم للخبز اليابس الملقى في قمامات الشبعانين، وأن أحييّ أمهاتنا اللواتي علّمننا إحترام النعيم،
وأحييّ كلّ أمٍّ مازالت تصنع الخبز لأولادها.

مسكينٌ أيا رغيف الخبز!!
فقد كنت رمزاً من رموز الحياة ، وإننا كنّا نأكلك ولو يابساً في (الخُرج) ، لكن أتت عليك رياح السفر لتغيّر حالك ، فما عاد اللون لونك وما عاد الطعم طعمك ، وخَلت بيوتنا من حبوب القمح اللامعة كالذهب الأصفر، حتى أنّ أطفالنا أصبحوا لا يميّزوا أهذا قمحٌ أم شعير ؟؟،ولم يعرفوا الغربال ولا المقطف حتى..!!.

كنّا ننظر إلى سهول عروس الشمال ومادبا ، ومشارف السلط، وسفوح الكرك والطفيلة والشوبك الأبيّة، فنجدها تعجُ بحقول القمح كأمواج البحر، تتمازج مع كل هبة ريح ، والسنابل رافعةٌ رؤوسها بكبرياء ، أمام جهد وخُدام الأرض الأوفياء.

عشقنا غناء الحصّادين في موارس الحصيد، ومنها:
هب الهوا يا ياسين يا عذاب الدراسين..يا عذابي معاهم ضو القمر طالعهم..طالعهم وايلاليهم وايشلع طواقيهم..يا حمرا يا لواحة لونك لون التفاحة..
لن حدرتي ع البحر لاحدر وراكي سباحة..وان طلعتي للسماء طير مرفرف جناحة..
واللعب فوق لوح (دَرْس) بيدر القمح والشعير، ويا (للمذراة) التي فيها فنٌ وصبرٌ وكفاح، تحت أشعة الشمس التي أعطت تلك الوجوه لون الخلود ، مشهداً عالقاً في الذاكرة إلى البعيد.

أيا رغيف الخبز لقد ذهبت فأخذنا نأكل رغيفاً من قشور القمح الأمريكي المستورد، المخزّن في صوامعٍ تشاركنا فيه الفئران نصيبها،وذاك العمران الذي أخذنا نشهدُ من وراءه مذبحة أراضٍ زراعية، وطمس ماضٍ عريق، ولم تعد لنا حكاية نحكيها لأطفالنا سوى حكاية الرغيف !!


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية