الاستغابة الإلكترونية والردح الفضائي

د. فيصل غرايبة اغتبط الناس في كل مكان بعد أن دخلوا العصر الجديد الذي يسمى بعصر الاتصالات، نظرا لأنه سهل عليهم اتصالاتهم في قضاء مصالحهم واتصالهم بالآخرين القريبين والبعيدين سواء للمشورة او للاطمئنان او حتى للقيام بمشترياتهم عبر ما صار يعرف بالتجارة الالكترونية او اتمام صفقاتهم أو ابرام العقود بين المستفيدين.

هذاعدا عن الاستفادة من وسائل الاتصال الألكترونية هذه، في الحصول على المعلومات، والاستئناس بالآراء، والاجابة على الاستفسارات، في مختلف المجالات والتخصصات ومختلف فروع المعرفة وميادينها وتنوعاتها وكان للمصدر العالمي الرئيسي للمعلومات ( جوجل) قصب السبق والمرجع الأمين.

وزادت بهجة الناس في كل بلد في اختراعات في حقل الاتصال تميزت بالسرعة في الوصول والتواصل بين الطرفين المتواصلين، والغت قضية المسافات وعبور القارات وحساب الزمن، مثل الفيس بوك والواتس أب والايميل والسكايب والماسنجر، وصار يستخدمه الصغار قبل الكبار ويتقنها الحفيد قبل الأب والجد، ولا ندري ماذا سيضاف؟ وماذا سيستجد في القريب والبعيد من الزمان؟

ولكن هذه النعمة التي ينعم بها الانسان المعاصر، وهذا التيسير الذي يتيسر للمواطن، بدأ يساء فهمه، وصار يساء استخدامه، بعد أن طاله العبث، ووصلته ممارسات قميئة، تنم عن الجهل احيانا وعن سوء النية احيانا أخرى، واصابته فيروسات ضارة جبل عليها بعض الناس، وعادات سالبة تعود عليها البعض الآخر من هؤلاء الناس.

كأن يعبر بعض المفصولين من عملهم لأسباب وظيفية تخص مؤسساتهم، عن انتقادهم لأشخاص معينين، كانوا وراء اتخاذ قرار الفصل، ونعتهم بالصفات البغيضة، التي يعافها المواطن المنصف، كالجهوية والعنصرية والعشائرية، أو أن يهاجم أولياء الأمور لجان تصحيح الامتحان العام، واتهامها بممارسة التصحيح الجائر او الرصد المجحف للعلامات والدرجات، او وصف المسؤول الذي حرم موظفا من الترقية والترفيع بالدكتاتورية والاستبداد والتحيز واالمحاباة، او اطلاق الاتهامات لأستاذ الجامعة بمراعاة الطلبة او الطالبات تبعا للنوع الاجتماعي الذي هو منه او العكس، بالنسبة لمعدلات حضورهم وغيابهم او علامات امتحاناتهم ودرجات نتائجهم النهائية بالمقررات التي يقوم بتدريسها.

وعلى هذا النحو نحا الاستخدام الاتصالي الألكتروني المتطور منحى آخر، يتم فيه استخدام الوسيلة الاتصالية المتيسرة والسريعة، والتي لا تحتاج الى الكثير من التدريب ولا الى الخبرة، الى الاساءة الى الآخرين، او التشهير بهم، او نشر ما هو صحيح او غير صحيح عنهم، وبما يتعمد ان يشكل فضيحة، وعن هذا الطريق، يصبح اي مستخدم صحفيا بلحظة، ويصير اعلاما ببرهة، وياخذ بنشر الاخبار او الشائعات او الاساءات او التشويهات، منه مما لم يتأكد عنه ومنها غير المتيقن منه، فما بالك بعد ذلك،عندما يتجاوز حدوده الأدبية ونواميسه الأخلاقية، فيكتب عن الخصوصيات ويمس الصلات العائلية والنواحي البيتية، لا بل ويدخل الى كتاباته التي يظن أنها رائعة ولافتة وجاذبة، بعض الألفاظ البذيئة وعدداً من العبارات النابية، ويصيغها بشكل يريد أن يوحي فيه بأنه مصدر عليم، وكاتب مطلع كاشف للأسرار وسابر للأغوار.

فالى متى يستمر هذا الطغيان الألكتروني الذين وصل الى المواقع الألكترونية المنتشرة، بكتاباتهم السخيفة وكلماتهم الممجوجة، والى متى يتواصل هذا التضليل الاعلامي، الذي تطفل فيه هؤلاء المشوشون المشاغبون على الساحة الاعلامية الفضائية، بعد أن صار الاعلام الرقمي مهنة لمن لا مهنة له، فافقدوا هذا النوع من الاتصال المتطور وهذا المسرب من الاعلام المتجدد رونقه وجاذبيته، لا بل زادوا من التشكيك فيه وقللوا من مصداقيته.


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية