تعليم التفكير.. واقعه ومعوقاته

بقلم الدكتور  محمد عيد قرعان *

يعد التفكير مطلباً مهماً من متطلبات هذا العصر الذي يتسم بالسرعة و الانفتاح والثورة المعرفية و العلمية الهائلة، مما أدى إلى أن تصبح المعرفة سلعةً اقتصاديةً ومورداً مهماً للدولة، و ظهور ما يسمى بعمال المعرفة، و الاقتصاد المعرفي وغيرها، و فضلاً عن ذلك الوقوع في مشكلة ترهق كاهل التربويين و صانعي المناهج ، و هي الكم الكبير من المعارف المستجدة في الساحة الفكرية والمعرفية الناتجة عن هذا التسارع والتجديد المستمر ، إذ بات من الصعب بل من الاستحالة الإلمام بكم ونوع المعرفة و تضمينها في المناهج الدراسية، ولهذه الأسباب كان لا بد من مواكبة التقدم السريع في مختلف الحقول المعرفية ، و ايجاد مخرج من مأزق التغيير ، ومجاراة متطلباته في عصر السرعة، و إيجاد مناهج دراسية تتماشى مع هذه التغيرات، بان تجعل من الطالب منتجاً للمعرفة وليس مستهلكاً لها، وذلك من خلال التركيز على تعليمه التفكير – و بخاصة التفكير عالي الرتبة- وسبل الوصول إلى المعرفة و توظيفها من أجل حل المشكلات.

وهذا ما نادت به وزارة التربية و التعليم الإماراتية بأن يمتلك الطالب مهارات القرن الواحد و العشرين و استثمار التعليم كمورد للدولة ( الطاقات البشرية ) .

 وأصبح الهدف الأسمى للتربية في هذا العصر هو تعليم الطلبة كيف يفكرون ،و كيف يصلون إلى المعرفة بأنفسهم. و دوّت صياحة تربوية تنادي بتبني شعار " فكر لتتعلم وتعلم لتفكر" لمن يريد التقدم، بوصف التفكير عملية ذهنية يتفاعل فيها الانسان مع ما يواجهه من تحديات وما يفرزه من مشكلات ، حيث يتم توليد الأفكار ويحللها ويحاكيها ويعيد تنظيمها بهدف احتوائها في البناء الذهني.

إذ أصبح التحدي الحقيقي أمام النظم التعليمية في مواجهة الواقع الجديد لإعداد الأنسان القادر على مواجهة التحديات المستقبلية، و القدرة على التفاعل بإيجابية مع متغيرات المستقبل ومستجداته. للابتعاد به عن مخالب التطرف و الجهل و التبعية.

ما تقدم يؤشر لنا إطاراً و محتوى الواقع الجديد الذي جعل المربيين و المهتمين بقضايا التعلم و التعليم في أنحاء المعمورة بضرورة تبني تعليم مهارات التفكير وتنظيم برامجه في المدارس و الجامعات لمختلف المواد الدراسية، واعتماد أسس علمية ومنهجية لتلبية الحاجات الأساسية و الضرورية للفرد والمجتمع، فضلاً عن تمكين المعلمين من التكيف و التفاعل مع طبيعة هذه المتغيرات الكمية والنوعية باستخدامهم التفكير كأسلوب و طريقة.

و تبدل الدول المتقدمة الجهود الكبيرة للرقي بالعملية التعليمية، وذلك بحث المعلمين وتدريبهم على التفكير، من أجل تحفيز الطلاب على استخدام مهارات عاليا من التفكير و كيفية التطبيق السليم له، وما التقدم الهائل في تلك الدول المتقدمة والمزدهرة، إلا بسب نتاج اهتمامهم بتفكير الطالب، إذ أنه الرافد الأساسي لبناء الحضارة، والوقود الذي تسير عليه عجلة الإصلاح والتقدم. ومثال ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، حينما قامت بدارسة مخرجات الثانوية العامة في فنزويلا، ووجدت إن جميع الطلبة درسوا مقررات إجبارية في تعليم التفكير، فاقحمت التفكير في مناهجا الدراسية، وطبقت متطلباته في العملية التعلمية التعليمية، وكذلك حكومة الكيان الصهيوني التي استخدمت مقررات إجبارية لتعليم التفكير لشريحتين هما : الطلبة في مختلف المراحل الدراسية في مراحل التعليم قبل الجامعي و لتعليم الجامعي. و الشريحة الثانية الجنود في الجيش.

هل يمكننا تعليم التفكير ؟

إن عملية تعليم التفكير تعد مهمةً سهلةً؛ لأنّ الفرد بطبيعته يفكر عندما يواجه أي حدث أو موقف، ويمكن للمعلم أو الأب أو غيرهم تعليم التفكير بسهولة من خلال استخدام استراتيجيات متعددة تسمى استراتيجيات تعليم التفكير. و أشار الكثير من التربويين إلى أن التفكير مهارة ذهنية قابلة للتعلم والتدريب، ويصل المتعلم بها إلى درجة الإتقان، إذا توفرت المواقف والخبرات المناسبة لتحقيق ذلك، ويتطلب من المعلم حتى يكون لديه القدرة على تدريب الطلبة التفكير الفعال، أن تتوفر لديه طرائق مناسبة للتعرف على تفكير الطالب، وأن يكون لديه ثقافة تتحدى كل العقبات التي تواجهه.

ما أهمية تعليم التفكير ؟

في رأيي تكمن أهمية تعليم التفكير على النحو الآتي: أهميته بالنسبة للطلبة : تساعد الطلاب على اتساع وجهة نظرهم اتجاه القضايا المختلفة، والنظر من زوايا متعددة و بخاصة من وجهة نظر الآخرين، و القدرة على تقييم هذه الآراء بناءً على الدقة والوضوح، واحترام وجهات النظر والأفكار الصادرة عن الغير، وهذا يقود إلى تقبل الآخرين وتقبل الاختلافات الفكرية. أهميته بالنسبية للمعلمين : تساعد المعلم في الإلمام بطرائق التعليم الحديثة المبنية على أساس علمي مجرب، مما يؤدي إلى إيجاد المتعة والتشويق، والتخلص من الروتين في تقديم المادة، وزيادة الدافعية والنشاط، و رفع معنويات المعلمين وزيادة الثقة بأنفسهم وقدرتهم على التغيير، وهكذا يرى المعلم النجاح في عمله. وهذا ينعكس على رقي المجتمع و تقدمه في مختلف القطاعات .

ما هي معوقات تعليم التفكير؟

إن هناك أسباب كثيرة تعيق عملية تعليم التفكير، ويمكن أن أُقسم المعوقات إلى أقسام متعددة - حسب ما أراه – وهي أسباب أربعة هي :

أولاً أسباب تتعلق بالفرد ذاته( الطالب) و تتمثل في : ضعف الثقة بالنفس، و النظرة السلبية للذات، و هي من أهم الأسباب التي تقود الفرد إلى فشله في التفكير الصحيح، إن النظرة السلبية للذات تعيق الفرد في الانسجام والمشاركة وانجاز المهام المطلوبة منه، ويبقى الفرد أسير الشك بقدراته على تحقيق المهام. ثانيا: البيئة ( المدرسة ) تعد المدرسة من أحد أبرز العوامل التي يمكن أن تكون سباباَ يعيق التفكير للأسباب الآتية : الحرص على تطبيق القوانين بحذافيرها وعدم الخروج عن المألوف. و ضعف الإمكانيات المادية اللازمة لتنمية التفكير ، كالمختبرات ولحدائق والمرافق . و ثقافة المدرسة المتمثلة في النجاح شكلياً، و الاقتصار على التحصيل العلمي على حساب عمليات التفكير لدى الطلبة.

ثالثا: المعلم يعد المعلم المحرك الفعلي لنجاح العملية التعليمية ، فهو حلقة الوصل بين الطالب والمنهاج ، و حجر الأساس الذي يبنى عليه الصرح التربوي، إذ يترجم المنهاج من إطاره النظري الفلسفي إلى التطبيق الفعلي والعملي ، ومن هنا يعد المعلم سبباً من أسباب نجاح تعليم التفكير أو فشله، ويكون المعلم سبباً للإعاقة تعليم التفكير للأسباب الآتية : يعتقد بأن دوره يقتصر على نقل المعرفة بطريقة تقليدية بسيطة، باتباع أسلوب المحاضرة والتلقين دون إعطاء الفرصة للمتعلمين بان يفكرون. فضلاَ عن عدم الاهتمام بتدريب المعلمين بشكل كاف حول أهمية التفكير وطرائق تنميته. و ضعف قناعته بمهنته ودوره في التعليم وبخاصة تعليم التفكير. و كثرة الأعباء المترتبة عليه من عدد الحصص الأسبوعي، بالإضافة إلى كثرة عدد الطلبة في الغرفة الصفية ، وكذلك كثرة المهام المطلوبة منه.

رابعاَ المنهاج : يتفاعل الطلبة مع المنهج الدراسي المقرر لهم من خلال ما يحتويه محتوى المقرر الدراسي للمادة من مهارات ومعارف ومعلومات غنية ومثيرة، من أجل تحقيق الأهداف التي ووضع المحتوى في ضوئها، والملاحظ أن المنهاج الدراسي يصبح سبباً في إعاقة تعليم التفكير للأسباب الآنية: الاعتقاد بان حشو المناهج بالمعلومات والمعارف المختلفة كفيل بإعطاء التفكير وتطويره لدى الطلبة. و التركيز على الأهداف والمهارات المعرفية الدنيا مثل الحفظ والتركيز، وغياب المهارات العليا من التفكير مثل حل المشكلات و النقد وغيرها. و اعتماد المناهج على شكل واحد من التقييم للطلبة وهو التقييم النهائي المعتمد بشكل أساسي على تقييم الجانب المعرفي .

و لقد اهتمت معظم الدول العربية، بالتفكير اهتمامًا ملحوظًا، فقد أكدت استراتيجيات تطوير التربية ضرورة تنمية التفكير، و وضع الخطط، و البرامج من أجل التركيز على تعليم التفكير ، فأدخلته في المناهج والكتب المدرسية، وأصبح محوراً لطرائق التدريس؛ من أجل إعداد متعلم يمتلك القدرة على الإبداع والابتكار.

و السؤال المطروح الأن :

هل هذه الخطوات مجدية اتجاه تعليم التفكير؟

هل قطعت الدول العربية شوطاَ مهماَ في التأسيس لمناخ مناسب لتعليم التفكير؟

* متخصص في فلسفة المناهج والتدريس - تعليم التفكير


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة
جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية