الإسلام والمسيحية.. كيف حمى أحدهما الآخر؟!

مدار الساعة - أعظم كتاب مدح المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وأثنى عليه هو القرآن العظيم، فثانى أكبر سورة من سورة القرآن سميت باسم أسرة المسيح وهم«آل عمران» وهو جد المسيح الذى كان رئيسا للدين وعلما على الزهد والورع والتقوى ليس فى أسرته فحسب وبيت لحم والقدس كلها..

• وسميت سورة كاملة باسم «مريم» أم المسيح التى كرمها وشرفها القرآن وسرد قصتها بمزيد من الإعزاز والتقدير عدة مرات، ويشرف المسلم بتلاوة هذه الآيات التى تثنى على المسيح وأمه وأسرته سواء فى عبادته أو صلاته.

• هذه الآيات تتلى منذ قرابة 15 قرنا وحتى اليوم آناء الليل وأطراف النهار، ولو لم يكن فى القرآن كله مدحا وثناء على «مريم بنت عمران» العذراء البتول سوى هذه الآية لكفتها وأغنتها «وإذْ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك علىٰ نساء العالمين».

• وهذا فى حد ذاته يدل على عظمة القرآن وصدق نبوة محمد «صلى الله عليه وسلم» فلو لم يكن محمد نبيا لتحدث عن نفسه وأغفل غيره وأقصاهم وما تحدث عنهم، كما يفعل حكام الأرض وملوكهم، يقصى بعضهم بعضا، ويلغى بعضهم تاريخ الآخرين وإنجازاتهم وعطائهم بل قد ينسب عطاء الآخرين إلى نفسه.


• ولكن القرآن العظيم يسهب فى المدح والثناء والتكريم للأنبياء جميعا فيذكر مريم والمسيح وموسى وإبراهيم عليهم السلام وغيرهم من الأنبياء أكثر مما ذكر الرسول محمد فى القرآن.

• ولو لم يكن فى القرآن العظيم مدحا للمسيح بن مريم سوى قوله تعالى «والسلام على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا» لكفته وأغنته، فأصعب وأدق وأهم لحظات فى حياة الإنسان هى الثلاث لحظات الحاسمة «الميلاد والموت والبعث» وقد شرف الله المسيح بالسلام والسلامة والعافية فى هذه اللحظات الثلاث العصيبة، ترى أى مدح أعظم من هذا المدح والثناء.

• محمد والمسيح شقيقان متحابان، جمعتهما النبوة والرسالة، فكلاهما يحب الآخر ويصدقه، وهما أقرب الرسل إلى بعضهما البعض فى كل شىء.
• فالمسيح عليه السلام هو الذى قدم محمدا للبشرية والناس «ومبشرا برسول يأْتى من بعدى اسمه أحمد».
• هذه سنة الأنبياء فكما قدم يحيى بن زكريا المسمى «يوحنا» عند المسيحيين، ابن خالته عيسى المسيح إلى الناس قائلا «سيأتى من هو أقوى منى» كذلك قدم عيسى شقيقه محمدا للبشرية.
• وفى المقابل رد محمد الجميل للمسيح قائلا «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم فى الأولى أى الدنيا، والأخرة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال الأنبياء إخوة لعلات.. أمهاتهم شتى.. ودينهم واحد.. وليس بيننا نبى».
• والإخوة لعلات: هم الأشقاء من أب واحد، وأمهات مختلفة، ويقصد هنا أمهاتهم شتى، أى يختلفون فى تفاصيل شرائعهم وخطابهم التفصيلى لأممهم بسبب اختلاف أدواء وأمراض وآفات كل أمة عن الأخرى.
• أما دينهم فواحد وهو جوهر رسالتهم ومقصدها الرئيسى من توحيد الله وعبادته والإخلاص لله ومحبته والإيمان باليوم الآخر.
حماية المسيحية للإسلام أيام النجاشى
• وقد احتضنت المسيحية الإسلام فى مهده حينما كان ضعيفا صغيرا يخشى عليه وحمته ورعته، فهذا نبى الإسلام لا يأتمن أحدا مثل ائتمن النجاشى على أصحابه المهاجرين لعلة العدل فقال: «اذهبوا إلى النجاشى فإنه لا يظلم عنده أحدا».
• ومن المفارقات أن رسول الإسلام لم يمدح حاكما قط سوى هذا الحاكم المسيحى لاختصاصه بـ«العدل» الذى يعد زينه الحكم «لا يظلم عنده أحد» لا المتفق معه فى الدين ولا المختلف معه، وهذه قيمة عظيمة يندر أن تكون فى الملوك والحكام وقد اكتسبها النجاشى منذ طفولته حيث ظلم وهو صغير فعاهد الله ألا يظلم أحدا.
• وقد كرم النجاشى صحابة النبى وأحسن وفادتهم ورفض رشاوى قريش الكثيرة لتسليمهم، وخرج بحكمة عبقرية عظيمة حينما سمع سورة مريم التى تلاها عليه الصحابى «جعفر بن أبى طالب» حيث هتف بحكمه الزمان «والله إن الذى قلته والذى جاء به عيسى بن مريم ليخرجان من مشكاة واحدة».
• نعم.. والله، رسالة محمد والمسيح تخرجان من مشكاة واحدة، فكلاهما يعضد الآخر ويدعمه وينصره، كلاهما من مصدر واحد ونور واحد، كلاهما جاء من الله ومن وحى السماء.
• وقد رد الإسلام هذه الحماية والرعاية لاتباع المسيح بن مريم حينما قوى، فقد استضاف النبى الكريم أهل نجران وقادتها فى مسجده ــ وكانوا يمثلون المسيحية فى جزيرة العرب ــ فأقاموا فترة فى المسجد فأكرم وفادتهم وترك لهم حرية العقيدة والعبادة كما يشاءون، وعرض عليهم الإسلام كغيرهم من القبائل فرفضوه فلم يغضب أو يمسهم بسوء بل غادروا المدينة مكرمين بينهم وبين نبى الإسلام سلام وصفاء، هكذا احتضن الإسلام المسيحية ورد إليها بعض جميل النجاشى.
• ولما قامت للإسلام دولة وإمبراطورية هزمت الفرس والروم، رفع المسلمون الضيم والقهر والبطش الذى كان يمارسه الرومان على المسيحيين الذين يخالفونهم الملة والمذهب فى مصر وغيرها، وأعادوا البطاركة والقسس الفارين إلى كنائسهم وأكرموا وفادتهم وأعادوا لهم كرامتهم وحريتهم المفقودة.
• ومرت الأيام فجاء عمر بن الخطاب رائد العدل السياسى والاجتماعى لينتصر لمسيحى مصرى ضد ابن عمرو بن العاص والى مصر، وما كان المواطن المسيحى المصرى ليشكوا الحاكم عمرو بن العاص إلا لعلمه بعدل وإنصاف الفاروق.
• هكذا تبادل الإسلام والمسيحية المواقع.. بشر المسيح بقدوم محمد عيهما السلام، كما بشر «يحيى» بالمسيح.
• واحتضنت المسيحية نبت الإسلام الصغير أيام النجاشى، ثم احتضن الإسلام المسيحية فى الشرق بعد قوتهم وتمكنهم، فحموا كنائسهم ومعابدهم وأديرتهم ولم يأخذوا شيئا من أوقافها وأموالها، ولم يتعرضوا لأحد من أحبارها ورهبانها وقساوستها بسوء، فسلام على صانعى السلام بين الطرفين وطوبى لهم.
ناجح إبراهيم الشروق


التعليقات


سيتم عرض التعليقات بعد مراجعتها من قبل الإدارة

آخر الأخبار

الأكثر قراءة

جميع الحقوق محفوظة لوكالة مدار الساعة الإخبارية